<a حينما أغوص بمسامعي مسافراً بخيالي مرتقباً كل الكلمات التي تنطلق من تلك الشفاه الذهبية، كلمات لا أعلم ولم أعرف لها مثيلاً، تجعلني أغوص بكل أشلائي بل بكل كياني معها، عن المجهول وعن اللاشيء عن تلك الجدارية التي لا تنتهي، تلك الكلمات مرصوفة في مسامعي بكل أشكالها، ألوان معانيها تلك هي كلمات درويش، عن الديكتاتور، عن ملوك النهاية، مهما كتب عن الحب، واللاحب أم عن ريتا، كلمات تنبض وتنبض بروح درويش، التي فارقت الحياة، ولم تفارق كلماته التي بقيت تتناقل من جيل إلى جيل تطربنا، بل تجعلنا نسافر معها إلى الوجود واللاوجود، أنا هنا وروحي هناك؛ حيث هناك صور تشدني إلى الحنين، إلى كل الأشياء في ذاكرتي. مهما غصت ومهما أعدت الاستماع إليه أجد نفسي في غير مكان وغير زمان وغير صور، رغم أنها نفس الكلمات أعيد سماعها أو قراءتها من جديد، هي تلك الحروف التي تجدد في روحي الحنين للقاء كل الأشياء، من حيث اللاشيء، تنطلق الروح من جديد، تشد قلمي لكي أغوص معه في خط الكلمات هنا وهناك عن كل شيء، قضايا أو أديان، أم حياة عاشها وخطها بحروفه، بصبغته التي جعلت منه أسطورة بالنسبة لي ولغيري من الكثيرين، درويش حينما كتب عن الحب تعلمنا معنى الحب حتى من دون كلمات الغزل، حينما خط عن فلسطين أحببت قضيتها رغم أني لم أشارك فيها، حينما كتب عن الديكتاتور عرفنا لكل شيء نهاية. عن درويش تعلمت أن المنفى حياة، وأن صعوبة الأيام ما هي إلا سلم لنرتقي بأنفسنا إلى قمة الفرح من جديد، تعلمت وما هي إلا كلمات سمعناها كثيراً لكن سمعتها من جديد، من قلب جديد، ليس له مثيل، غصت في الشعر من بحوره، وقرأت الكثير، وتبعت الكثير فقط درويش ترأس صدارتهم، هو الشبح كما يقول، وهو روح تعيش معنا عبر حروفه التي خطت من دماء قلبه وروحه الصافية، القليل منك يا درويش هو الكثير بعينه، هو الأشياء رغم أنه لا شيء ترتفع كلماتك لتبني صرحاً هو كلماتك تاريخك حروفك وأقوالك. ذلك الكوب الذي أمامي ملؤه سواد القهوة وسحاب غرفتي هو عطرها لا ملذة فيها إلا مع كلماتك حينما تتغزل في كوب قهوتك "فهي لا تشرب على عجل"، هي ملذة الحياة رغم مرارتها تعلمت منها كيف ملذة الأيام رغم مرارتها، الكوب على جنب وعيني ترتقبه ومسامعي تطرب بكلماتك، وقلبي هناك؛ حيث ما سافرت روحي معاك إلى أحبة، إلى الحنين، إلى الأشواق، إلى قضية نعيشها عبر سنين، قضية ما زالت مرة بكل تفاصيلها، فسرقت منا الكثيرين ممن حولنا بقباحة من سرقهم، قبحهم ما زال إلى الآن يمضي في أوطاننا، هم طواغيت لم يسمعوا كلماتك عن سقوط الديكتاتور يوماً ما. لم يتعلموا ممن سبقوهم ومَن رحل ومَن بنى وترك صروحاً تسكنها غربان الظلام، هم يحكمون فيقتلون فيسجنون فعاثوا خراباً بعد خراب، لم يتذكروا أن الدعوات ترتفع إلى رب العباد، وأن طول وجودهم هو نهايتهم، هم لم يتعلموا منك الحب. درويش عنك وعن حروفك وعن كلماتك تعلمت الكثير، فهي أساطير وقصص من الحكايات، أنت مدرسة سيتعلم الكثير منك، خطواتك ما زالت آثارها وحروفك ما زالت حية بروحك، رحلت ولم ترحل عنا، كثيرون سيرحلون بعدك، لكن هل سيذكرهم التاريخ كما ذكرك؟ هل ستبقى حروفهم باقية كحروفك؟ أم التاريخ سيكتبهم في قاع الأماكن بقبح أفعالهم؟! <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>