من بين المسلسلات الدرامية التي تعرض اليوم مسلسل حكايات بنات بموسمَيه الثاني والثالث، وأود الحديث هنا عن الصورة المغلوطة التي يحاول أصحاب المسلسل بثها للشباب في قالب صورة جميلة وألوان أخاذة، إضافة إلى ديكورات حداثية، فأغلب الأفكار المبثوثة فيه بعيدة كل البعد عن العرف وعن الطبيعة العربية الإسلامية، وأعرف أن الرد على النقد الموجه سيجابه بإجابة نمطية اعتدنا سماعها، وهي أن الواقع زاخر بما ننقله إن لم يكن أسوأ، لكن جوابنا سيكون كالآتي: إذا تفشَّت في الواقع بعض مظاهر الفساد والانحراف من خلال فئات معينة، فالذي يدع المجال لتحول الشاذ إلى قاعدة هي المنتجات الفنية المصورة بالدرجة الأولى، فهي اليوم السلطة الأولى لا السلطة الرابعة، فالثقافة البصرية تؤثر على لا وعي الإنسان وبالتالي يسهل تعميمها دون إدراك، والموافقة عليها يكون آلياً دون وعي، نعود للحديث عن حكايات بنات، وأبرز مآخذنا عليه.
أولها هو محاولة إعطاء صورة مقاربة لصورة المسلسلات التركية علَّه يجد نفس صدى الرواج الذي تلاقيه هذه المسلسلات، حذو حذو النعل بالنعل، إن لم يكن أكثر، نبدأ باللباس والأزياء التي ترتديها الممثلات، هي أقرب إلى ألبسة النوم، خاصة في قِصَرها المبالغ فيه، فطولها لا يتجاوز الشبر الذي يغطي العورة، وهذا ما لم تعتَده أعيننا في تمثلياتنا السابقة قبل عقد من الزمن لا أكثر، أي أن الفسحة الزمنية ليست بعيدة حتى ننقلب لهذا الانحدار من الإسفاف والابتذال المقرف، وهناك محاولات لإبراز موضة أزياء معينة كالذي تلبسه صبا مبارك، وهو أقرب لحالة التشرد عندما كانت مثل هذه الألبسة تحيل على فقر أصحابها وصعوبة حياتهم، أما اليوم فأصبحت للأسف توحي بأرستقراطية صاحبها، وكأن الزمان مار موراً عظيماً، ابتذال مسفّ للغاية في اللباس وربطه بشخصية مميزة، فهي مذيعة ومثقفة، وتنتمي للطبقة المرفهة، ولذا يسهل ترويج هذه الأزياء، وجعلها عادية طبيعية محببة لا مستهجنة.
كذلك من سلبيات المسلسل تصوير المجتمع بصورة بعيدة عن واقع الحياة الفعلية، وهو الواقع الشبيه بالحياة الافتراضية التي بات الناس يعتقدون أنها الحياة دون الواقع المادي الملموس، وهذا ليس حصراً على هذا المسلسل، فكل مسلسلات شلل البنات ترنو إلى الطبقات الاجتماعية الغنية المرفهة التي جل اهتماماتها اللباس، السيارة، الحفلات، الأكل، والمطاعم والعلاقات العاطفية، وحتى البنت التي يختارونها من الطبقة المتوسطة بعيدة كل البعد عن حياة الطبقة المتوسطة في الواقع، وبالتالي رفع سقف التطلع وترويج أهمية المظاهر على الجوهر، فالمهم إكسسوارات الحياة لا عمقها ولبّها، وهذا ما نلاحظه في شباب اليوم، فهم يبذلون في سبيل الخروج في قوالب اجتماعية مشابهة منمطة بشكل واحد، ولهذا صعب اليوم التفرقة بين الطبقات الاجتماعية.
كذلك تبرير العلاقات العاطفية والاجتماعية خارج أطر الأعراف والعادات والقيم المتفق عليها اجتماعياً، والانتفاض ضد الأخلاقيات الخاطئة ضعيف جداً، ولا يدعو لإبانة الإشكال بل إلى التغاضي عنه وتلافيه؛ لأن الحياة ستعود إلى طبيعتها تلقائياً مثل شخصية سلمى وأخطائها، وهذا ليس ما يحدث في الواقع فعلاً.
كذلك محاولة تمرير بعض الوقائع التي تبدو شاذة في المجتمع، والتي وإن كانت موجودة إلا أن نشرها سيزيد في حفيظة الناس ووسوستهم وإيغار قلوبهم مع أقرب الناس لهم، وهذا في واقعة زواج أخت إحدى البطلات من زوجها، وهي على قيد الحياة، وهذه ثغرة فتحت في علاقة اجتماعية هي من أمتن العلاقات الإنسانية علاقة الأخوة.
إضافة لمحاولة جعل شرب الخمر وتعاطي الحشيش أموراً عادية بالنسبة للشباب، وارتياد أماكن الرقص والشرب وكأنها من مظاهر الحداثة الحتمية.
ولكي لا يكون هناك نوع من الفظاظة في الرد والقول هل لمسلسل أن يفعل ويروج لكل هذا؟ فالجواب نعم، فللعمل الفني فعل السحر على الناس أكثر من كتب ثرية وصفحات وعظ ونصح، ونحن نعرف أن موازين القوى اليوم لصالح الصورة على حساب المكتوب، كما أن الوعي أصبح أقل تمكناً من الإقرار والإفصاح عن نفسه في ظل هذا الكم الرهيب من الثقافة البصرية، فالصورة التي تبثها مثل هذه التمثيليات صارت طريقة لتفسير العالم الذي يعيش فيه المراهق والشباب، فامتصاص صور بصرية معينة هو الذي يفسر ما يواجهه الإنسان في حياته، والمجتمع اليوم أبعد ما يكون في زمن السرعة لأن ينظر للنصوص المكتوبة، ولكنه ينظر إلى الثقافة البصرية والتفوق الثقافي، والتواصل البصري أضحى هو الأساس الذي يشكل رؤية الفرد، ومن ثَم الجماعة، فهي تتدخل في عيوننا وبيئتنا المادية والوجدانية لدرجة مدهشة.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.