الجنة ليست مكاناً ليُسكن، لكن هي إحساس يسكننا. هي مقولة وعقيدة راسخة في وجداني، تنمو وتتشعب يوماً بعد يوم. لذلك كان من الواجب عليَّ أن أرسم هذه اللوحة الفنية التصويرية؛ ليراها غيري كما أراها.
كثيراً ما يظن البعض أن مكافأة الخير في الدنيا هي الجنة في الآخرة، لكن في واقعي الجنة هي فعل في الدنيا وصفة في الآخرة. هي عبارات غامضة، وقد يمل البعض من غموضي اللامتناهي في بداياتي.
اجعلوني أسافر بكم -يا من تقرأون عباراتي الآن- في رحلة بسرعة الضوء عبر الزمن؛ لكي أفسر لكم هذا الغموض الممل الممتع؛ رحلتي للماضي والمستقبل، رحلتي عبر المنطق والخيال.. رحلتي لن تكلفكم درهماً واحداً.
ففي الماضي الجاهلي، سنرى نور الأنبياء، وفي المستقبل السحيق سنرى نور الله، إذاً هي رحلة بين نور الإيمان ونور الرحمن، هي رحلةُ سعيٍ طويلة الأمد بعيدة غير ملموسة المسافات، كتبها الله في اللامكان، في اللازمان، وقصَّ بعضها على الأنبياء في كتبه السماوية.
أرى في هذه الفترة الميكرونية التي أعاصرها -أنا الكاتب- أحداثاً وعبراً مريرة مريبة وجميلة، أناسي -حاشا الله- يعيشون في تحدٍّ مع الله، أناسي يعيشون صفقة مع الله، أناسي لا يعلمون أن لله بصراً يراهم، وقوم يخافونه يحبونه خاشعين له… ما أكثرها التصنيفاتٍ والعبر!
ما هي الجنة؟ إذا بحث راشد، عبر الشبكة العنكبوتية في موسوعة ويكيبيديا، عن معنى الجنة فسيجد أن الجَنَّة في اللغة هي البُسْتان، ومصطلح للدلالة على مكان فيه رخاء ونعيم وحياة رغدة كاملة الملذات.
إذاً، الجنة هي النهاية السعيدة، وعلى نقيضها -والعياذ بالله- النار نهاية بشعة. سنجد أنها وعد ولها صفات في كل الأديان. يمكن اختصار وصف الجنة في 3 كلمات: سلام، سعادة، بداية، طبعاً من وجهة نظري المتواضعة.
لن يسكن تعيس أو عدواني أو دنيوي الجنة يوماً؛ فالجنة هي رحلة الخلود. من يملك بقلبه سلاماً فلن يقوى على العدوان أو القتل أو أن يبتر مشاعر حي مثله. من يملك السعادة الحقيقية سيُنار وجهه نوراً ما بعده نور، لن يقوى على الحقد أو الكذب أو الحسد. من يملك بقلبه حب الخلود فلن ينظر أو يطمع في دنيا فانية. ومن يملك هذه المشاعر فسيعيش نفحات الجنة في الدنيا والآخرة.
وفي رواية أخرى.. إذا مؤمن جاهل بالسباحة محب وعابد لله -عز وجل- أُلقي بالبحر فسيغرق، وإذا كافر يحترف السباحة أُلقي بالبحر فسينجو. إذاً، فالعلم مُنجٍ والجهل سقمٌ مُهلك. لكن وإن ألقينا أنظارنا على حياة أمم تعيش أزهى عصور التقدم العلمي، فهل سيكفيهم العلم ليشعروا بالسلام الداخلي لتسكنهم الجنة؟
هي معادلة مُحيرة، مكونة من متغيرات كثيرة، العلم والإيمان طرفان بها.. فنسب الانتحار مرتفعة في دول لا تعاني الفقر المادي أو الجهل حتى..!
لماذا يُحكم على المنتحر بعدم الإيمان؟ لأن المنتحر لا ينتحر وهو يحتسي عصير العنب الأحمر والسلام يملؤه؛ بل ينتحر من إحساسه بالعجز والبؤس. هي صفات مشؤومة لا تسكنها الجنة. قلما أو أكاد أجزم بأنه لا وجود لراحة نفسية في سرقة، في خيانة، في قتل، في هتك أعراض، أو في شر. هكذا خلق الله الطين، خلقه رطباً بالعلم والإيمان، فإن نُفخ الشر في البشر فكأنك نفخت النار في الطين، علمياً ستتغير خواص الطين ويصبح حجراً لا إحساس له.
الجنة إحساس يعيش في النفوس الراضية المَرضية السوية لا الشاذة المُعادية الشريرة، للجنة دساتير وقوانين لبلوغها تراها مكتوبة في الأديان السماوية. فمن اختار الطين الرطب نعِم بالجنة، ومن اختار النار وشرها أجلس الله عظامه على حجر أفعاله.
حان الآن موعد الهبوط في عصرنا الميكروني مرة أخرى، سعدت بقراءتكم…
(الجنة تسكُن لا تُسكن)
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.