أن تكون إنساناً، كلمة نرددها طيلة حياتنا، ولكنها تبدو مجرد كلمة، وليست فعلاً.
الكل يرددها في عنف وغضب محاولاً إخضاع العالم لرأيه، محاولاً التنديد بالجرائم الإنسانية التي تحدث كل يوم، ويصرخ بأعلى صوت: أين الإنسانية؟ أين حق الإنسان في العيش والحياة الكريمة؟ والسؤال هنا: أين الإنسان ليطبق كل هذا؟ فلقد تحول الإنسان إلى آلة خالية من كل المشاعر والعواطف، وأصبح في حالة يرثى لها.
أصبح يرى القتل والعنف على أنه أمر طبيعي، وأن منظر الدماء المتناثرة في كل مكان هي التي تعطيه التفاؤل والدافعية للحياة والعمل، فالشعوب التي تمتلك القوة تسيطر على الشعوب الضعيفة التي لا حول لها وتسرق أموالها وتقتل شعبها وتؤمن كل الإيمان بأن هذا حق مشروع لها.
والغريب عندما تقاوم تلك الدولة الضعيفة، وتقتل بعض الجنود الذين احتلوا أرضها، ترى ذلك الكيان المغتصب يقوم بالتنديد بقتل جنوده، وأن هذا منافٍ للأخلاق والإنسانية، ويظهر على الشاشات بكل وقاحة رئيسهم، ويتكلم بسذاجة: أين حقوق الإنسان؟ أين حق جنودنا الذين قُتلوا؟ أين المنظمات الحقوقية؟ لماذا لا تهتمون جراء هذا العنف والقتل؟
وعلى الجهة الأخرى، يظهر لنا أحد ممثلي حقوق الإنسان، ويعزي الكيان المغتصب، ويتكلم بلهجة تمتلئ بكل أشكال الحقارة والقذارة، ويقول: إن على المقاومة ألا تقوم بتلك الجرائم الإنسانية، وأن ما تفعله المقاومة منافٍ للأخلاق والقيم الإنسانية!
ما هذا؟! عن ماذا يتكلم هؤلاء الحمقي؟! ولماذا لا يتكلمون عندما احتُلت أرض هذا الشعب المسكين، وسرقت أموالهم، وقتل رجالهم، ويُتِّم أطفالهم؟! أهذا إنسان وهذا ليس بإنسان؟!
والغريب أننا نرى الجميع يقفون وراء المعتدي، ليس إيماناً بأنه على حق؛ بل لأنه يمتلك القوة!
منطق إنساني عجيب أيها السادة!
وأصبحت أشكال هذا الظلم لا نراها فقط بين بعض الدول وبعضها الآخر؛ بل بين الشعب ودولته، والواقع اليوم خير شاهد على ذلك؛ فما يحدث في سوريا الآن من عمليات إبادة للإنسان، وتهجير الكثيرين من بيوتهم وأرضهم خير دليل على موت الإنسان، وانحدار أخلاقه.
فنرى معظم الدول تقف بجانب رئيس سوريا وتؤيده على ما يفعله في حق بلاده، من قتل وتخريب، وتؤمن بأن الذي يقوم بالدفاع عن حقه إرهابي منحط، ويريد الخراب للدولة، وما تفعله بعض الدول من تقديم المعونة للنظام السوري، ليس حباً في النظام، ولا كرهاً في المعارضة؛ بل لكسب الأموال والتربح من ورائهم، فكل يوم تحتاج الدولة إلى الأسلحة والذخائر لتقاتل بها، فتستوردها من روسيا، فتتربح روسيا وتجني الأموال على حساب القتلى السوريين، وهذا كله لا يعنيها في شيء؛ فالهدف الرئيس لها كسب الأموال من وراء الجرائم الإنسانية، وهم دعاة الإنسانية.
وما حدث في أميركا من انزعاج وغضب عندما ضرب النظام السوري الشعب بالأسلحة الكيماوية، وتصريح ترامب الشديد الذي قال فيه إن سوريا فاقت الخطوط الحمراء، وإنها ستقوم بالرد عليها، وقامت بإلقاء بعض الصواريخ على النظام السوري، ليس بدافع الإنسانية، وحماية الشعب السوري.
بل اتضح أنها تريد تجربة بعض الصواريخ لديها، وقد وجدت الأرض الخصبة لتجربتها، وإن كان هذا غير صحيح، فلماذا لم تقم أميركا منذ بداية الحرب بتضييق الخناق على النظام، وضرب القواعد العسكرية لسوريا، ومساعدة المعارضة؟ ولماذا انسحبت بعد إطلاق الصواريخ، وقالت إنه ليس لديها نية لإرسال فرق عسكرية لضرب سوريا؟
وهذا خير دليل على أنها لا تحارب من أجل الإنسان؛ بل من أجل مصالحها، فالعالم أصبح يعج بالفوضى والاضطرابات الأخلاقية التي لا شفاء منها، إلا بالرجوع إلى أصلنا الإنساني، ومعرفة أسباب وجودنا على الأرض، وأننا لسنا مخلَّدين كما يظن الكثيرون، فأصبح الشغل الشاغل لدى الإنسان هو جمع الأموال، والبحث عن الثراء حتى لو كان على حساب الآخر، فتحولنا من إنسانيتنا المليئة بالمشاعر والعواطف والحب والرحمة إلى آلة لا تنبض بأي شيء، ولعل هذا هو السبب الرئيس الذي جعل كل الدول على مر العصور تقوم بفرض هيمنتها على الدول الأخرى.
وهذا كله نتاج لموت الضمير الإنساني، والعمل من أجل المصالح الخاصة على حساب الآخر؛ لذلك نجد أن الإسلام كان حريصاً على نشر الرحمة والعفو والإحسان للآخرين والسعي إلى الكمال، فيقول الله: “خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”، ولنبينا محمد مواقف كثيرة تدل على مدى رحمته الواسعة وإنسانيته العالية، فعندما قام بفتح مكة لم يثأر لنفسه ويقاتل أهلها الذين طردوه منها؛ بل قال مقولته الشهيرة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وهذا خير دليل على رحمته الواسعة، لذلك نتمنى أن يعود الإنسان إلى إنسانيته المفقودة، ويبحث عن الإنسان الذي بداخله والذي يدفعه إلى الخير.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.