تعالَ يا فلوبي!

زمان في بداية الحب والزواج، كنت لا أغاضب زوجتي كثيراً، ولكن إذا غضبتْ فإن الغضب يستمر أياماً. وعرفت هي طبيعتي، فأنا لا أغضب بسهولة، ولكن إذا غضبت فغضب صعيدي مقفَل ولا حل له. ومع الوقت وجدنا، هي وأنا، حلاً غريباً لهذه المشكلة؛ بأن نعيد رؤية الأفلام الرومانسية الكوميدية التي كنا نراها معاً.

واشترينا نسخاً من كل هذه الأفلام، وكلها غربية بالطبع، وجعلنا لها رفاً في المكتبة. وكلما غضب أحد منا على الآخر ولا يعرف كيف يبدأ المصالحة يأتي بأحد الأفلام ويشغلها، فيأتي الآخر ويجلس من سكات ويتفرج وخلاص يروح الزعل. وجعلت هذا سراً منعاً للسخرية.

ومنذ عدة أيام، غضبت أخيراً بالطريقة القديمة. الولد خاف ألا أسمح له بالرحلة مع المدرسة إلى لندن وقال لأمه فوقَّعتْ له بالموافقة دون إخباري، ووضعاني من ثم أمام الأمر الواقع. وكنت بالفعل سأسمح له؛ لأنني أعرف أهمية السفر وفوائده، ولذا غضبتُ وطال غضبي بسبب سوء الظن فيّ! ولكن مر الوقت ولا أحد يصالحني -يا حرام!- حتى خفت أن يمر العيد العشرون لزواجنا ونحن متخاصمان.

وأمس، سيطرتُ على التليفزيون وجلست أتفرج على مباراة للمنتخب الألماني، وهذه عادتي تقريباً منذ كأس العالم في جنوب إفريقيا، عندما أملّ ولا أستطيع التركيز في العمل، فإنني أبحث عن مباراة لكرة قدم، ويا حبذا لو كان أحد طرفيها ألمانيا، وأنا للحقيقة أحب طريقة لعبهم، وأتفرج عليهم حتى لو لعبوا مع سان مارينو. وأتمنى لو يلعبون مرة مع المنتخب المصري وبالأسلوب نفسه وألا يهمدوا أبداً إلا مع صافرة النهاية، وستكون فرصة لاختبار المشاعر والمعادن.

فإن لم أجد مباراة لألمانيا فمباراة لبايرن ميونيخ، وقد لا تعرفون أنني أشجع فريق البايرن منذ عقود، وكنت أتمنى زمان لو أشتري بعض الأسهم فيه! والبايرن كان يلعب تقريباً بطريقة تشبه طريقة لعب المنتخب الألماني حتى جاء بيب غوارديولا فقتل روح الفريق التي تميزه، والآن كارلو أنشيلوتي يتولى دفنها. والحالة الوحيدة التي اكتشفت أنني لا أشجع البايرن فيها عندما يلعب مع فريق بروسيا دورتموند؛ لأن الأخير في رأيي خير من يمثل الآن الطريقة الألمانية في كرة القدم.

كنت أتشاغل بالتفكير في كل هذا وزوجتي تتحرك حولي وبقربي بلا كلل ولا ملل، فلا هي تتوقف ولا هي تصالحني؛ ربما لأنها تعودت أنني الذي أبدأ دائماً بالمصالحة. فقلت لنفسي: “هذه عادة سيئة ولا بد من تغييرها”. وصممت ألا أفتح فمي هذه المرة، وأبديت تركيزاً أعلى مع المباراة، وقلت: “لا تصالح” و”كلمتي لا يمكن تنزل الأرض”! وفجأة، نطقت هي وقالت جملة واحدة، قالت: “فيلم Notting Hill على القناة 33”.

وهذا الفيلم تحديداً رأيناه في السينما معاً وقت عرضه وله ذكريات لا يمحوها الزمن، ولذا وجدتني ودون تفكير أضحي بالمباراة وأحوّل على الفيلم، فإذا “آنا” تقول لـ”وليام”: “تعالَ يا فلوبي”! وقفزت في الحديقة وقفز هو بصعوبة خلفها. وبعد أن لحق بها قبَّلته، وهنا بدأت أغنية “When you say nothing at all”) لرونان کیتین، وهي من أجمل أغاني الحب التي سمعتها في الأفلام التي لدي. ثم سارا معاً إلى حيث الكرسي الخشبي الكبير والوحيد في الحديقة، فقرأت “آنا” ما كُتب عليه: “إلى جين التي أحبت هذه الحديقة من جوزيف الذي جلس إلى جوارها دائماً”.

وقالت “آنا” مندهشةً: “بعض الناس يقضون حياتهم كلها معاً”! ثم جلست على هذا الكرسي الخشبي، ولكن وليام لم يبادر بالجلوس إلى جوارها، ربما لتأخذ راحتها، وكالعادة خطت هي الخطوة الأولى وقالت له: “اجلس إلى جواري لو سمحت”. وهنا نظرت أنا أيضاً إليها وقبل أن أفتح فمي جلست هي سريعاً إلى جواري وقالت: “لم نعد حِمل هذا الزعل الغريب”!

وما إن جلستْ وقالت جملتها حتى وجدتُ الولدين يصرخان ويتنططان من حولنا وفوقنا، فعرفت أنها مؤامرة داخلية متكاملة الأركان، فدفعت عن نفسي التفعيص ما أمكن وسكتُّ حتى أفهم أبعاد المؤامرة، فعرفت أن الولدين عرفا سر رف الأفلام الذي يتوسط المكتبة.

ولأنني أكاد أحفظ الفيلم وأعرف ألا مناظر ساخنة في الأفق، تركتهما يتفرجان معنا حتى المشهد الأخير، حيث وليام وآنا يجلسان على مقعد خشبي مشابه للأول ولكن في حديقة عامة، وفي النهار. وكان وليام يقرأ في كتاب ما وآنا تستلقي سعيدة إلى جواره وهي في آخر شهور الحمل.

ولأن الرومانسية لا تدوم، فقد قلت للجميع: “خلاص.. وعاشا في تبات ونبات وأنجبا صبيان وبنات”. ثم نظرت لساعتي وقلت: “بقي من المباراة ربع ساعة”، وهششت كلاً منهم على حجرته وأكملت المباراة بمفردي، ورأيت ألمانيا وهي تتلذذ بتعذيب الفرقة الأخرى وهي مصممة على عدم مسامحتها؛ لأنها تجرأت وسجلت هدفاً فيها، وقلت لنفسي: “لو التقت مصر وألمانيا في كأس العالم القادمة، فالأفضل ألا ترى المباراة. نعم الرومانسية لا تدوم، ولكنها لا تموت”.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top