من المعروف والمعلوم في كل دول العالم أن الهدف الرئيسي من التعليم هو إخراج إنسان واعٍ مدرك لما حوله قادر على التغلب على مشكلاته وحلها، إنسان يحب وطنه ويعلم ويعي معنى الوطن، ويعيش ذلك في واقعه ويدافع عن هذا الوطن، ليس فقط التراب لكن الفكرة والحضارة والتاريخ والشعب.
لكن للأسف لا يعطي التعليم في مصر تلك النتائج والأهداف المرجوة منه، لأن هذا الهدف لا بد أن يكون له استراتيجية واضحة ووسائل تنفيذ، وقبل ذلك كله لا بد من وجود محاور أساسية للتعليم، وهي المعلم والمدرسة والطالب، وكل محور من هذه المحاور لا بد أن يتحقق وإلا لن يؤتى التعليم ثماره.
وإن أسهبنا قليلاً في مناقشة تلك القضية الهامة فنطرح المشاكل وأسبابها وكيفية علاجها من وجهة نظر متواضعة، لكنها آتية من معلم عمل في هذا المجال منذ ما يزيد على ستة عشر عاماً.
وأبدأ أولاً بمحور المعلم في هذا المقال ثم بقية المحاور في مقالات أخرى بإذن الله.
أولاً: محور المعلم
المعلم هو المحور الرئيسي الذي تقوم عليه العملية التعليمية برمتها ففي الحقيقة فإن المعلم المصري للأسف الشديد لا يؤدي دوره المنوط به في العملية التعليمية، وذلك يرجع لعدة أسباب، منها أن المعلم لا يلقى احتراماً في مؤسسات الدولة المتعددة، فسهام النقد والتجريح دائماً مصوبة نحوه، ولا يتذكرون المعلم إلا عندما تحدث حادثة في مدرسة ما، فيبدأ الإعلام في توجيه اللوم على المعلم، وإظهاره بمظهر الجاني دائماً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالمعلم في الأفلام والمسلسلات المصرية دائماً موضع النقد اللاذع أو موضع السخرية والاستهزاء، وخاصة معلم اللغة العربية.
لذلك أرى أن المعلم لا بد أن يكرم تكريماً معنوياً ومادياً وصحياً وإعلامياً وبشتى الوسائل، ولا بد من توقف هذه الحملات ضد المعلم، التي تهدم أكثر مما تبني، وتدمر أكثر مما تعمّر.
من جانب آخر، فالمعلم لا يأخذ حقه المادي كبقية فئات المجتمع، مثل الطبيب والمهندس والقاضي والموظف بوزارة المالية، ففي هذه المؤسسات نجد أن هناك فوارق شاسعة بين ما يتقاضاه معلم في ديوان المديرية أو معلم في مدرسة أو معلم في ديوان الوزارة، فتجد أن هذا له مرتب وبدلات غير هذا رغم أنهم من نفس دفعة التعيين؛ لذلك لا بد للدولة أن تضع التعليم هو المشروع القومي الأساسي وترصد له ميزانية وتوضع آلية للمحاسبة والمراقبة لتحقيق الأهداف المرجوة.
ومن جانب ثالث، فإن المعلم لا يأخذ حقه في التدريب ولا تتوافر الكفاءات اللازمة للتدريب والمتابعة الميدانية في المدارس، رغم وجود تلك الكفاءات بكثرة لكن مع عدم وجود الاعتمادات المالية اللازمة.
لذلك لا بد من وضع خطة في كل مدرسة وكل إدارة تعليمية بما يلزمها من متطلبات التدريب واحتياجاتها التدريبية ثم تقوم كل الجهات المسؤولة بالنظر في تلك الطلبات والعمل على تلبيتها.
بعض الاقتراحات للخروج من الأزمة:
تلك هي بعض أسباب وجوانب الأزمة والمشكلة، ووفقاً للفكر المتطور يجب ألا نقف عند ذلك، بل ينبغي أن نسهم في وضع الحلول لتلك الأزمة، ومنها الآتي:
1- اقتصار مهنة التدريس على خريجي كليات التربية فقط، وعدم ترك الأمر مفتوحاً على مصراعيه كما هو الحال الآن.
2- استغلال الإجازات الصيفية ومنتصف العام في إعداد دورات تدريبية للمعلمين داخل مؤسساتهم كل في تخصصه، واستغلالها في الارتقاء بمستوى المعلمين قبل بداية كل عام دراسي.
3- العمل على فلترة وتطوير مناهج كليات التربية، لتقليل الحفظ ودعم المقررات بجوانب عملية حقيقية تهدف إلى احتكاك مباشر بواقع المهنة، مما يجعل الخريج بمجرد تخرجه مؤهلاً للتدريس.
4- توفير الرقابة الإدارية والمالية واستحداث وظيفة رقابية بداخل كل مؤسسة تعليمية لمراقبة عملها إدارياً ومالياً وعلمياً أيضاً.
5- إحياء دور التقارير الدورية للمعلم للوقوف على مستواه، وهل هو يتطور وفقاً لمستجدات العصر أم يهمل في ذلك؟
6- حث المعلم على البحث والقراءة والتطوير من مستواه، وذلك من خلال إعداد مسابقات بين المعلمين تدعوهم للبحث والتحري حول كل ما هو جديد.
7- استقدام التجربة اليابانية، وهي محاولة وضع خطة عامة للنظام التعليمي على أن يسمح لجميع المعلمين بالحصول كحد أدنى على درجة الماجستير أثناء عملهم، وتوفير الوقت الكافي لهم، بالتناوب بين معلمي المؤسسة الواحدة.
8- تنظيم دورات تدريبية لمديري المؤسسات، لتنمية قدراتهم الإدارية بصفة دورية وتقديم تقارير بشكل مستمر عن دورهم وطريقتهم تقوم بها مسألة الرقابة داخل المؤسسة.
9- استحداث وتغيير دور أخصائي تكنولوجيا التعليم داخل المؤسسة، ويكون عمله قائماً على تعليم المعلمين أحدث طرق التدريس واستراتيجيات الشرح والتعامل مع الطلاب بمبدأ الفروق الفردية، وكيفية استخدام المعلم للوسائل والتكنولوجيا المتاحة داخل الفصل، وهذا دور يختلف تماماً مع مهام معلم الحاسب الآلي.
10- تحويل أي معلم يتقاعس عن أداء دوره الحقيقي إلى وظيفة إدارية فوراً، وذلك وفقاً لما تأتي التقارير الدورية به حول مستواه.
11- عندما يتحقق كل ذلك على المعلم أن يبحث عن الزيادة في راتبه.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.