توقفت سيارة الأجرة بـ”خان الخليلي”، الحي التاريخي الشهير بـ”القاهرة”، ترجّلت منها وصديقي محمد، سألني ما الذي أريد زيارته في هذا المكان الذي يعرف جيداً مدى عشقي له، حتى إنني أتردد عليه كل مرة وكأنها أول مرة، أجبته بدون أن أفكر: “عايزه أزور الحسين يا محمد”.
أحنى محمد رأسه انحناءة الذي يعرف شيئاً، لكنه يخفيه حتى يحقق طلبي، قلت لـ”محمد”: “كل مرة أزور فيها خان الخليلي لا يُكتَب لي أن أزور ضريح سيدنا الحسين، هذه المرة أريد أن أحقق أمنيتي”، رفع محمد رأسه وقال لي: “أنا مش عارف إيه اللي عايزه تشوفيه في المكان ده، أصلاً هنا دافنين راسه بس، وجثته في العراق”، نظرت لـ”محمد” نظرة المستنكر لقوله، كيف يجرؤ على أن يخبرني أن رأس الحسين فقط هنا، وحتى إن كان رأسه فقط هنا ما الضير في الأمر؟ المهم أني أريد زيارة ضريح الحسين.
أمام الباب الخلفي للضريح، توقف محمد وسمعته يقول: “شكله ده الباب بتاع الستات بس، خشّي انتي وأنا هستناكي هنا”.
كنت أرتدي سروالاً “جينز”، وقميصاً بدون أكمام، أغطي ذراعي بوشاح لا يكاد يفارقني في أسفاري، وفي مصر أن تخرج امرأة في الشارع بقميص بدون أكمام يعني أن تعرض نفسها للخطر حتى وهي مرافقة برجال وليس رجلاً واحداً. ولجت باب الضريح، كانت النسوة يتزاحمن بين خارجات منه، وبين داخلات إليه مسرعات وصوت الحارس يقول: “يلّا بسرعة شوية وهنقفل”.
في مدخل باب الضريح كان شخصان يقفان خلف مكتب وراءه خزانة برفوف كثيرة وضعت فيها أحذية النساء الزائرات، كان أحدهما في منتصف الأربعين والآخر يقارب الستين، سأل الأربعيني أن أعطيه حذائي، كنت أبدو غريبة في سروالي الجينز ذاك وسط نساء اخترن إخفاء أجسامهن في عباءات سوداء فضفاضة.
نزعت حذائي وقدمته له، كان صندلاً أسود بقطع زجاجية تزين مقدمته، تفحصه الرجل وكأنه يحاول أن يحدد المستوى الاجتماعي لصاحبة الصندل، قدم لي ورقة بها رقم، وأوصاني أن أعيد إليه الورقة حتى يعيد لي حذائي، شكرته وهممت بالمغادرة إلى حيث مرقد السيد الحسين، كان صوت الذكر القادم من داخل الضريح يغريني بالتحليق عالياً في عالم المتصوفة، لكن الرجل كان مصراً على أن يبقيني معه أكثر.
استوقفني وقال وهو يقدم لي صندوقاً كتب عليه “تبرع من أجل الحسين”: “ممكن حضرتك تتبرعي لنا بحاجة؟”، نظرت إليه وأجبته: “ألا يمكن أن تنتظر حتى أخرج؟”، أصر الرجل، وقال: “معلش ولا مؤاخذة اتبرعي لنا دلوقتي عشان ربنا يبارك لك”، كدت أطلق ضحكة عالية لولا أن أوقفت نفسي احتراماً للمكان، فتحت حقيبتي، ومن دون أن أخرج حقيبة النقود أخرجت مائة جنيه، لم أكن أملك أقلّ منها، وكان مبلغاً مغرياً، قدمته إلى الرجل بكل إيثار، لأجده يسألني:
* حضرتك من أي بلد؟
– المغرب.
* أحسن ناس.
– شكراً.
* حبيبك عايز دولار.
– حبيبي.. حبيبي مين؟
* حبيبك.. سيدنا الحسين.
– ما له؟
* عايز دولار.
– إزاي؟ مش فاهمة.
* يعني لو قدمتِ أي تبرع بالدولار الدعوة هتكون تمام.
– يا سلام!!
فوراً أوقفت الابتسامة عن شفتي، وقلت له: “كل ما لديَّ هو ما منحتك إياه وهو مبلغ كبير، وأخبر حبيبك الحسين أنه لا دولارات لديَّ.. عندي جنيه بس”.
شعر الرجل أنه قد تمادى كثيراً مع زائرة اعتقد أن لطفها سيطول، فأطلق سراحي وهو يقول:” طيب حضرتك خلّي بالك من الشنطة وإوعي تصدقي حد جوّا فيه نصابين كتير”.
نظرت إليه وأنا أحاول منع نفسي أن أقول له: “الله يعطينا وجهك”، كان الحارس يصيح: “يلّا يا ستات هنقفل، هنقفل”، فخطوت مسرعة إلى الداخل.
هناك كان المرقد كبيراً مسجى بستار أخضر اللون، ورائحة البخور العطرة تفوح في المكان، وصوت الذكر لا يزال بديعاً، والنساء يتزاحمن من أجل مسافة أقرب إلى السياج الذي يحمي المرقد من تدافعهن.
“وسّعي يا ولية منك ليها”، أسمع امرأة تصيح في النساء، وأنا واقفة أمام مدخل المرقد لا أقوى على التقدم إلى الأمام، ولا التدافع مع المتدافعات، “وسّعي يا ولية منك ليها”، تعود المرأة للصراخ ثانية، ومن مكانها تصيح فيّ وتقول: “تعالي يا حبيبتي قربي.. وسّعي يا ولية خلّي البنيّة تقرب”، لا أعرف ما الذي جعلني ساعتها أتذكر “ريا وسكينة” وهما تتقربان للضحية، وتغريانها بحلو الكلام إلى أن تتحول إلى مجرد جثة.
اقتربت من المرقد، وضعت رأسي على السياج المحيط به، وبدأت تلاوة بعض من القرآن وأنا أستمع لذاك الذكر الجميل، كانت لحظات تفصل بيني وبين التحليق كأي صوفية مؤمنة في ملكوت السماوات حين شعرت بيد تربت ببطء على ذراعي، رفعت رأسي، التفت يميني، ووجدت امرأة سمحة الوجه، تبدو في عقدها الخامس، ترتدي عباءة سوداء، وتغطي رأسها بوشاح أخضر، وبيدها اليمنى تقدم لي كوباً بلاستيكياً به حليب، وتقول لي: “اتفضلي يا حبيبتي”.
تأملت المرأة وتأملت الكأس في يدها وصورة “ريا وسكينة” لا تفارق مخيلتي، أخذت الكأس، كان بها حليب دافئ، رشفت منه بضع رشفات، وأرجعته للمرأة إليها شاكرة، وهممت بالرجوع إلى صلاتي حين وجدت نفس اليد تربت على ذراعي، والمرأة تقول لي: “يا بنتي أنا عندي سرطان وعندي ابني مشلول ممكن تتبرعي لي بأي حاجة؟”، نظرت إلى المرأة لا أعرف أن عليَّ أن أغضب منها لأنها قطعت عليَّ خلوتي، أو أتضايق منها ومن محاولتها النصب عليَّ، ووجدت نفسي أرسم على شفتي ابتسامة مصطنعة وأقول لها باللهجة المصرية: “والله يا حبيبتي ما فيش في جيبي جنيه، بكره إن شاء الله أرجع وأجيب لك فلوس معايا، هو انتي مش بتبقي هنا كل يوم؟”.
أي محاولة لنفح المرأة ولو ببضعة جنيهات كانت ستكون محاولة غبية منّي، فغيرها كثيرون يتواجدون بالمرقد ينتظرون أن تفتح المرأة باب “علاء الدين” حتى يهجموا أجمعين؛ لذلك قطعت صلاتي وأنا ألعن اليوم الذي حلمت فيه بزيارة الحسين، وتذكرت صديقي وهو يقول لي إن حراس المكان “بيحششوا فوق راسه” حالما يقفلون أبوابه.
خرجت من المرقد، واتجهت إلى حيث الرجل الأربعيني يحرس حذائي وأحذية الزائرات، بحثت عن الورقة التي بها الرقم ولم أجدها، رأيت عيني الرجل تلمعان فرحاً، فهذه فرصته ليبيعني حذائي بحجة أنني لا أملك ورقة الرقم هذه، ورأيت نفس العينين تخبوان غضباً حين أخرجت الورقة من حقيبتي، مد حذائي وقال لي:
* حضرتك عندك فيسبوك؟
– أيوة.
* “طيب حضرتك ضيفيني عندك، اعملي لي سيرش على “خادم الحسين” وحتلاقيني هناك، حضرتك عايزه سبح، عايزه رقية شرعية، عايزه مصاحف بس ابعتي لي على فيسبوك وأنا حضرتك سداد..”.
شكرته بسرعة، وخرجت بخطوات أسرع من هذا المكان الغريب، وجدت محمد ينتظرني في الخارج وينتظر أن أكون منشرحة فرحة أنني حققت أمنيتي بزيارة الحسين، فقلت له: “آخر مرة آجي المكان ده..قال حبيبك عايز دولار قال”.
* هذا المقال منشور في جريدة الأخبار الصادرة بالمغرب.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.