عَلى شَفـى قلب!

لا أدري لماذا يبدو مذاق قهوتي “حُلواً بزيادة” هذا الصباح!

أوه.. ها قد بدأنا!

“أنا لحبيبي.. وحبيبي إليَّ”

اعتدتُ على شُرب قهوتي في الصباح على صوت الجميلة فيروز. لم أكُف عن هذه العادة يوماً، حتى بعد زواجي.

ولكن اليوم، كان وقع كلماتها أشد عذوبة.. وموسيقاها أيضاً.

أؤمن أن لكل مخلوق موسيقاه الخاصة.

لي أذن موسيقية، أستطيع سماع موسيقى المخلوقات والكون.

طالما كانت للكون موسيقاه أيضاً.. تلك الخالدة البديعة!

حسناً.. لا داعي للإطالة، إليك حكايتي..

“ليلي.. والخطـــاوي”

ذات مساء هادئ كانت خِطبتي، هادئة أيضاً، لم أعتد على الصخب، لم أرَ ضرورة للإشهار، لذا كانت الخطوبة في منزل والديّ، لا ليس خوفاً من الأعين، ولكنني أخبرته أنني لست على تمام اليقين من شعوري نحوه، لذا لا داعي لوجود البشر.

كان زميلاً لي في العمل، تبادلناً شعوراً غريباً قرابة الشهر. كان وسيماً لبقاً، لافتاً للأنظار، يعرف كيف يكسب قلوب من حوله، وكنت أنا ممن حوله، فكسب قلبي أيضاً!

اندهشت حين تقدَّم لخطبتي بهذه السرعة!

وأنا لا أعرف لماذا وافقت!

فلم أكن “ملهوفة” عليه للدرجة التي تجعلني أُقبِل على خطوة جريئة كهذه.
اندهشت أيضاً حين أخبرني هو لاحقاً أنني -وكما قال- شجّعته لاتخاذ الخطوة، فقد كُنتُ -كما ادَّعى- أستلطفه!

“ضحكت.. يعني قلبها مال.. وخلاص الفرق ما بينا اتشال”

مَرَّ شهران آخران على خِطبتنا، وجدتني أتعلق به سريعاً، كان جذاباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. له أسلوب مُميز، صوت حنون، نظرات واثقة قادرة على منح الثقة والأمان. الحقيقة أنه استطاع كسب قلبي لدرجة كبيرة، ومع أننا لم نكن على وفاق تماماً في كل الأمور الفكرية، إلا أن كل تلك الصفات طغت، وغَمَرَتني!

حتى إنني غيَّرتُ روتيني اليومي؛ بعد أن كان نومي منتظماً أصبحت أنام قبالة الفجر، ولا أنام إلا على صوته! أذكر مرة عاتبته بمرحٍ على إفساده ساعتي البيولوجية فأرسل لي أغنية جميلة أضفت مرَحاً وشعوراً رائعاً راق لقلبي كثيراً.
“طال الليــــل والليـــــل ياما دوبــنا فيــــه
حـــلو الحُـــب تعالـى نعيـش معانيــــه
طال الليــــل وحــرام شــوقنا نداريــــه”

لم أعتد على إخفاء مشاعري تجاه أحد، فكان جليّاً أنني تعلَّقت به تماماً. كنت أستمتع بوجوده حقاً، أشعر أنني أريده بجواري طوال الوقت! حتى المرات التي كنّا نختلف فيها كان هو يستطيع إخماد ثورة عقلي بكلماته الرقيقة وعذوبة صوته فيهدأ قلبي ويخشع أمام سحر وجلالة حضوره!

ولكنني -ولا أُخفي عليكم- كانت تنتابني “وخزة” غريبة من حين إلى آخر. لم أستطع تفسيرها في ذلك الوقت، كان قلبي ينقبض فجأة كأنه يريد أن يُخبرني شيئاً، كأنها نوتة موسيقية غير مُكتَمِلة، أو بها نشاذ غريب يُوقظك من ثباتك!

كان هو يُطمئنني دائماً بقدرته على احتوائي، وكنت أزداد انبهاراً به حين أجد الانبهار عظيماً في أعين مَن حوله!

أذكر ذات يوم خفق قلبي بشدة، وارتسمت على وجهى ابتسامة بلهاء حين اتصل بي بعد شجار بسبب اختلافنا على أمور هامة، حين ضغطت زر الرد جاءتني كلمات مبهجة حقاً، جعلت قلبي يخفِق له بِشدّة.. أو لها!
“يالي زعلان مني ومخاصمني ومش عايز تاني تكلمني
واخد على خـــاطرك كدة منّـِــي
يا حبيـــــــــــــــبي أنا آســــــــف
دا انت عُمــــــري، وعُمـــــــــري ماليش بعده
ومّسهّـــــــر ليــلي كدة في بُعــدُه”
يومها تأثرت كثيراً وبكيت، وعادت المياه لمجاريها!
كان هذا أسلوبه الرائع، معي ومع مَن حوله، يعرف ويعي جيداً كيف يحتوي خَصمه فيكسبه في صفِه.

ماذا؟ خَصمه!
رغم كل هذا كان قلبي “العاشق” يفاجئني بتلك “الوخزة” من حين لآخر!

على ذكر الشجار أذكُر مرة تشاجرنا لسبب ما، كان سيؤدي بعلاقتنا إلى النهاية. يومها لا أعرف لماذا أحسست بنفور غريب منه، مع نفس الوخزة في قلبي!

توقفنا عن الحديث قرابة أسبوعين.. كنت مشتتة حقاً.. لم تكن الرؤية واضحة، لم يكن الصوت نقيّاً.. فقط كان قلبي يؤلمني!
“لو كل روح في مكـــــــان
لينا حبيــــبي مكـــــــان
دايــــمـاً بـيـجمعـــنا”

فاجئني هو بعدها بهدية باهرة، واعتذار بطريقة رومانسية أسرت قلبي، وخاتماً رقيقاً، وغنوة فعلت كلماتها بقلبي الأفاعيل!
“تتجوزيــــــــــــــــــــني؟
مش عــــــــــايز غـــــــــيرك في الحيـــــاة
إوعي تسبيـــــــني
علشانك أطــــول الســــما لو حبتيـــني!”

تم تحديد موعد الزفاف..
الغريب أن “موسيقاه” كانت ما زالت غير واضحة بالنسبة لي! أنا القادرة على قراءة موسيقى الكون، لم أكن قادرة على قراءة نوتة نصفي الآخر!

خلال تلك الفترة لم أكن قادرة على تحديد ما اعتراني..

فسّر الجميع حالتي بأنه الشعور المصاحب للقلق والخوف من بداية حياة جديدة. كان رأسي يؤلمني باستمرار، وكنت أسمع “وششش” كثيراً، وأصوات ألحان صاخبة ومتداخلة، لدرجة أنني كُنت أصاب أوقاتاً كثيرة بالإعياء والدوار!
موعد الزفاف يقترب وما زال الصخب يتزايد داخل عقلي. لاحظ والداي الأمرَ، فاقترحا أن أسافر مع صديقاتي إلى إحدى المُدن السياحية للاستجمام والراحلة. رأيت أنها فرصة رائعة لاستعادة رونقي وهدوء عقلي وقلبي.

هناك.. حيث البحر، بدأت أذني في استعادة الأصوات شيئاً فشيئاً..

“أنا بعشـــق البحر.. زيّــك يا حبيبي حــ…”

لا لا، ابتعدت عن صديقاتي وصخبهن أيضاً، واختليت بنفسي، فتسللت موسيقى الطبيعة وحدها إلى أذني!

حينها فقط استطاعت أذني تلقّي الألحان بصفاء ونقاء أكثر. والغريب أنني استطعت بقوة سماع موسيقى مَن دعاه قلبي “حبيبي!”

كانت ألحانه شاذة، غير متناسقة منذ البداية، ولكنني لم أستطع التمييز. ولحسن حظي أنني ميّزتُ السبب؛ فقط كانت أغنياته هي ما أحدثت هذا التشوش والتنافر، لذا لم أستطع سماع موسيقاه بوضوح!

هذا المؤثِّر الخارجي الذي اخترق ألحاني الهادئة بقوة، وحجب عن أذني الإنصات.

لم يكن هو مناسباً لعقلي منذ البداية، ولكنه القلب وألاعيبه، فقد أهمَلَ صوته الداخلي واستجاب لمؤثرات أخرى جاءت من الخارج، ولأن موسيقاي متزنة لم تقبل هذا المؤثر الخارجي فأحدثت نشاذاً وتنافراً في الألحان!

تعلمون بالطبع ما فعلت بعد أن استعاد قلبي صفاءَه، واستطاع عقلي الرؤية بوضوح اتَّخذتُ القرارَ الصحيح وأنهيت علاقتنا.

نعم، قد كان الأمر مؤلماً في البداية، ولكن عقلي أخبرني أن هذا الألم المؤقت أفضل كثيراً من العيش حياة كاملة بلحن غير متناسق!

على كل حال ليست هذه نهاية قصتي..

فقد اهتدت أذناي فيما بعد للحن رائع، تناسق بسلاسة ولطف ونعومة مع موسيقاي الداخلية، وموسيقى الكون أيضاً، أثمرَ نوتة موسيقية خلَّابة يخفق لها قلبي حتى تلك اللحظة.

حينها فقط وبعد زواجي، استطعت سماع كل الأغنيات، استطعت أن أفتح لقلبي الطريق لتلقي الكلمات المختلفة، بعد أن اتفق قلبي وعقلي على لحن واحد متناسق، دون أي مؤثراتٍ خارجية!

ها قد انتهيت من احتساء قهوتي الحُلوة، وسأقوم لأن زوجي الحبيب أرسل لي يخبرني أنه في انتظاري على الغداء بمكان قريب.

“غالي والله غالي، لسّه فاكر يوم ما جالي
راح دَعَالي.. إني أبقى مِلكه يوم ودعيت وراه”

في طريقي إليه -ولدهشتي- سمِعت أذني تلك الكلمات..
“نقِّل فؤادكَ كيف شئتَ من الهوى
ما الحُبُّ إلا للحبيبِ الأولِ”

علِقت الأغنية بعقلي لوهلة، رنَّت كلماتها في أذني بصوت غريب!
لا!! لم يكن كذلك، فقد..
أوه.. ليس ثانية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top