كيف أصبحنا نفرّغ ضغوط الحياة في أطفالنا؟

نتعرض في يومنا كآباء وأمهات لضغوط كثيرة، فأحياناً تفقدنا الضغوط وكثرتها توازننا، وتجعلنا نتعامل بطريقة سيئة، ونندم بعد ذلك عندما نعود لحالتنا الطبيعية، عندنا يتملك منا التعب والإرهاق أو الجوع والعطش أو حتى عندما نعاني من الاكتئاب والحزن بالتأكيد يكون تعاملنا وأداؤنا دون المستوى، وربما يفتقد للمنطق والعقل.

عندما نتجول في المحلات والمولات تحدثنا أنفسنا كثيراً أننا نرغب في اقتناء أشياء كثيرة، وتتوق أنفسنا إليها.

نحب أن يستمع إلينا من يحبوننا، ونحكي لهم بلا توقف، ودون أن يملوا حديثنا، أو ينظروا في هواتفهم بدلاً من أن ينظروا إلينا، ويهتموا بنا.

نختلف أحياناً مع بعضنا البعض، وربما نتشاجر لأسباب قد تكون غير قوية، أو أسباب تعتبر سطحية، لا نحب أن يصرخ في وجهنا أحد، أو يعاملنا بعدم احترام أو إهانة.

لا نحب أن يعطينا أحد الكثير من الأوامر وطريقة الطلب تشكل فارقاً معنا، نعود من الخارج أحياناً متعبين جداً، ونلقي بملابسنا في أي مكان تسقط من أيدينا أشياء، وتتكسر في أيدينا أشياء أخرى.

عندما يستفزنا أحد ممكن نفقد أعصابنا ولا نشعر كيف نتصرف، أحياناً يتملكنا العند، ونصر على تنفيذ ما نرغب مهما كان الثمن، كل هذا وأكثر يحدث فقط لأننا بشر، لن يكون لأحد منا كمال أبداً مهما حاول، فلماذا نطلب من أطفالنا هذا الكمال المستحيل! هم مثلنا تماماً بشر مكتملو المشاعر والأهلية يتملك منهم التعب والإرهاق فيعبرون عن ذلك، يعانون مثلنا من الإحباط والاكتئاب أحياناً لأسباب تظهر أو لا تظهر، فتنقلب أحوالهم وتتبدل سلوكياتهم عندما يرون الإغراءات من حولهم يتطلعون إليها ويريدون اقتناء الكثير والكثير مثلنا تماماً، يتشاجرون معاً بأسباب وبدون، فهذه هي طبيعة الحياة، بها من أوقات الشجار والمشاكل كما بها من أوقات الصفاء والرضا، لا يحبون أن يصرخ في وجوههم أحد، وهذا يشعرهم بضعفهم وعجزهم، يشعرهم بفقدان الثقة وربما الخوف، يريدون أن يتحدثوا فنصغي إليهم؛ لذلك يأنسون بنا وحولنا، ويحبون أن يناموا بجوارنا ويتحدثوا إلينا؛ لأن هذا هو الوقت الوحيد الذي لن ننشغل عنهم فيه بشيء، فقد انتهى اليوم وانتهت الانشغالات!

لو رأينا كمّ الأوامر الذي يتعرض له الأطفال لعلمنا لماذا يشعرون بالرفض من قبل أن يستمعوا لطلباتنا وضيفوا إلى ذلك صيغة الطلب نفسه وطريقته، وأحياناً يفقدون صوابهم -مثلنا تماماً- فيتصرفون بلا وعي ويفعلون أشياء “غير مقبولة لنا”.

لن أتحدث عما يتعرضون له من غضب وانفعال لأسباب بعيدة كل البعد عنهم، ولا علاقة لهم ولا ذنب لهم بها، لماذا نطالبهم بالكمال والاكتمال الذي لن يصلوا -ولم نصل نحن- إليه أبداً، فيشعرون بفقدان الأهلية، أو يشعرون أن رضاءنا كالكمال “غاية لا تدرك”، فلا يحاولوا إرضاءنا بعد الآن.. فقط لأنه بات من المستحيلات.

رفقاً بأطفالنا، ورفقاً بأنفسنا، ودائماً وأبداً نضع أنفسنا مكانهم، ونحاول أن نشعر بما يشعرون به، ونتعامل معهم كما نحب أن يتعامل معنا من له سلطة علينا.

يؤسفني أن أقول إننا نستقوي على أطفالنا؛ لأنهم ضعفاء، ولأنهم ليس لهم سلطة علينا، فنحن أصحاب السلطة والكلمة العليا عليهم، وطبعاً الشماعة التي نعلق عليها ذلك دائماً هي الضغوط الكبيرة علينا، فلو مثلا قام مديرنا في العمل بالخطأ بسكب كوب من الشاي على أوراق مهمة لنا أو على ملابسنا هل سنصرخ في وجهه أو نفقد أعصابنا ونبرر ذلك بأننا مضغوطون؟!

كم كسرنا من أكواب وكم سقط من أيدينا أكل على الأرض، ونغفر ذلك لأنفسنا ولا نغفره لهم فقط لأنهم الأضعف، هل لو أصر مديرك على تنفيذ شيء أنت تراه غير مناسب سوف تصرخ في وجهه مثلاً؟!

لكننا نفعل ذلك معهم؛ لأنهم ضعفاء ولسبب آخر أيضا، أننا لا نعرف كيف نتصرف؛ لأننا قليلو الحيلة والطاقة، ولا نحاول أن نتعلم طرقاً جديدة للتواصل والتعامل معهم بشكل يكفل لهم حقهم الإنساني في عدم الاكتمال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top