فعلاً هناك علاقة غريبة لا ننتبه لها، بين ذنوب الخلوات وثقتنا بأنفسنا، وأن هناك رابطاً وثيقاً بين إدمان طويل الأمد لذنوب الخلوات وفقدان الثقة بالنفس واهتزاز صورتك الذاتية؛ بل يتعدى الأمر إلى حد تأثيره على نجاحك وعملك وعلاقتك بالناس، وربما تخبُّطك وإفسادك علاقتك بشريكك. وتجد الموضوع حين تنقّب عنه قد تمحور فيه الخلل فوق ذنب من ذنوب الخلوات!
دعنا نستعِد القصة: تبدأ أنت في مرحلة ما تفعل ذنباً؛ كمشاهدة الاباحيات مثلاً، أو علاقة غير شرعية ولا ترضي الله، تخرق فيها حدوده.
في البدء، تنبت لديك “مشاعر الذنب-Guilt feelings”، فتشعر بالندم وتصفع نفسك بضع صفعات داخلية وتتوب إلى الله، وتعِده بعدم العودة، وتستفيق بضعة أيام..
ثم يعود السقوط؛ فيتضخم الشعور بالذنب هذه المرة أكثر، ليس فقط لاقترافك الذنب، وإنما يضاف إليه إخلافك الوعد بعدم العودة (شعور بالذنب من الفعل + شعور بالذنب من إخلاف الوعد وتكرار الفعل).
ثم تأتي توبة أخرى وإفاقة جديدة.. ثم يعود السقوط ويبدأ الأمر هنا يخرج عن السيطرة ويتحول الذنب إلى ما يشبه الإدمان، ويعقب السقوط الآن لا مجرد شعور بالذنب، إنما شيء أكثر توحشاً ينمو داخلك وهو “الشعور بالعار-Shame feelings “.
ما الفرق بين الشعور بالذنب والشعور بالعار- Guilt versus shame؟
الشعور بالذنب هو شعور سلبي سيئ من الغضب تجاه فعل اقترفته،
أما الشعور بالعار فهو شعور سلبي سيئ من الغضب تجاه الذات؛ فأنا إن سرقت أشعر بالذنب لأني سرقت، فإن تكرر الأمر أشعر بالعار لأني لص!
الذنب يخرج بعد فعل، أما العار “الخزي” ينبت تجاه وصمة للذات يختصر فيها المرء نفسه في صفة معينة؛ فبعد تكرر السقوط في ذنب معين تنبت داخل النفس مشاعر العار أمام أفكار من قبيل “أنا شخص سيئ- أنا شهواني-أنا قبيح-أنا بعيد عن الله-أنا…)
تتنامى هذه الأفكار وتتجمع حولها المشاعر السلبية تجاه الذات؛ فتظهر صورة سلبية داخلية عن النفس، ولما كنا لا نظهر للناس إلا بمظهر الطيبين فينمو داخلنا شعور مركب بالعار، حول تناقض الصورة الظاهرية التي نظهرها للناس مع الصورة الباطنة التي نعلمها عن أنفسنا!
فالمسافة بين ما يظنه الناس وما تظهره لهم، وحقيقة باطنك أصبحت كبيرة؛ ما يزيد الجلد الذاتي (أنا مزيف-أنا مزدوج-أنا قبيح الباطن)،
فيصبح شعور الذنب أكثر تراكباً علي مستويات ثلاثة:
– الأول: حول الفعل (شعور بالذنب)
– الثاني: حول الوصف الذاتي (الطبقة الأولى من الشعور بالعار)
– الثالث: حول تناقض الصورة (الظاهر والباطن) والشعور بالزيف (الطبقة الثانية من العار)
ونتاجاً لهذه المشاعر المتراكبة ذات الطبقات الثلاث، تتشوه الصورة الذاتية تماماً وتتحول صورة الإانسان الداخلية عن نفسه إلى صورة مشوهة طافحة بالسلبية واهتزاز الثقة.
وهنا يأخذ الأمر منعطفاً أكبر؛ وهو الاستسلام، فمشاعر الذنب والعار المتركبة واختصار الذات في حقيقة (أنا سيئ وقبيح ومزيف) تزيد تمكّن الذنب من القلب والانهزام أمامه أكثر وكأنك تهمس لذاتك من دون واعي (كده كده باظت-أنا سيئ والسيئ يفعل السيئ).
ربما تتكرر التوبة، ولكن التوبة تكون في نفسها مصابة بالإحباط والشعور بالخذلان الذاتي، وهنا تنشأ عقدة نفسية خفية تنبت في الخلفية سأوضحها في النهاية.. وتزيد تمكّن الذنب منك؛ بل أحياناً يتطور الأمر في أشكال متطرفة لحالة غضب تجاه (الله الذي تخلى عني ولم ينتشلني من هذا الذنب).
ومع كل توبة، تترسخ الصورة السلبية وتتعالى طاقات مشاعر الذنب والعار والغضب والإحباط، والاحباط يحملك على الذنب ثانية؛ فتدخل الحلقة المفرغة لإدمان الذنب!
هذه ببساطة قصة حياة ذنب تحول لإدمان فأفسد صورتك عن نفسك، وأفسد حياتك فدفعك الإحباط إلى مزيد من الذنب.
لذا، تكمن أولى خطوات التحرر من الذنب في فهم هذه الحلقة أولاً،
فللمعرفة قوتها، ولروحك القدرة على الالتئام الذاتي متى علمت موضع الجرح وموطن الخلل.
وثانياً، في كسر الحلقة المفرغة والرابط بين الإحباط والذنب، بأن تعلم أنك تكون أكثر هشاشة وقابلية للذنوب إن كنت محبطاً من الذنوب نفسها.
وثالثاً، في تحرير النفس من مشاعر العار، بالوعي بها أولا وعدم اختصار ذاتك في ذنوبك؛ فأنت لست ذنبك.
نعم، قد كُتب عليك ذنبك، ولكنك كيان أكبر كثيراً من ذنبك، لا تختزل نفسك في ذنب ولا تختصر ذاتك في سقطة وإدمان، واحذر من الحوار الأوتوماتيكي الذي يدور في خلفية دماغنا دون انتباه (أنا سيئ-أنا مزيف).
.
اكسر هذا الإحباط وأدمن الفرح؛ الفرح بفضل الله نوع من النظرة الإيجابية التي تنتقي النِّعم لتراها وتتعامى بشكل إرادي عن النقائص
فتركز على ما لديك، فتحملك المنّة على شعور إيجابي يخفض من معدلات الإحباط لديك؛ فتكون أكثر مناعة ضد الذنوب.
إذا أردت أن تتوب عن ذنب أدمنته فستكون أقرب إلى ذلك، باستشعار الامتنان وإدمان قول “الحمد لله” من تكرار قولك “أستغفر الله” إن كنت وصلتَ للحد الذي ذكرته من مشاعر العار، وتلك لطيفة خفية.
إن الشعور الإيجابي يقوي مناعتك ضد الذنب، والشعور الإيجابي يتنامى مع استحضار النعم وشكرها، بينما المشاعر السلبية مرتبطة بالذنب والتوبة.
لذا، ربما أحبطك الاستغفار من طرف خفي وأنت لا تدري، فاجعل توبتك مفرحةً واستغفارك موصولاً بحالة امتنان، عالج إحباطك بالحمد واستحضار المنة فستجد مقاومة الذنب أيسر وأنت في حالة معنوية أعلى.
فلتسعد بالعودة وبكل يوم يمر في التعافي، ولتحتفل حرفياً بكل يوم من دون ذنبك؛ لتستجلب مشاعر الامتنان أكثر وأكثر!
لذا، رُبطت التوبة في حديث النبي بالفرحة؛ “للهُ أفرح بتوبة عبده من رجل كان بأرض فلاة…”، وتلك كانت مرتكز على إزالة القنوط واليأس المتكرر في كتاب الله وسُنة النبي؛ لتعالج هذه الحلقة المؤذية.
باختصار: “صورتك عن نفسك سيئة وده اللي مبوظ حياتك
وصورتك عن نفسك باظت أحياناً نتيجة لذنب أدمنته في الخلوات،
وفهم حلقة الذنب دي إحدى وسائل كسرها”.
يتبع
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.