تراتيل الحياة : رد قلبي.. عندما يأتي المساء

وبعد مدة ليست ببعيدة، حينما ألقت قلبه بعيداً في غيابة الجُبَ فلم تلتقطه أي سيارة؛ بل جاءت رغماً عنها بشاحنات فوقه تحاول ردم البئر ليموت وحيداً، لكنه النبيل لا يزال -رغم كل الحيل- يحنّ عليها؛ لكونها امرأة وصديقته التي احتسبها من أول يوم رآها.. كان يخاف على تلك المتمردة الصغيرة من جموح الحيلة وسطوة الأفكار، فقد عرفها سنوات طوالا، عرف بعض طيبتها وأحاسيسها الكوميدرامانسية.

وعندما يأتي المساء.. وما بين الشعر والغناء، تظهر النجوم في السماء.. ما بين سحب وماء يطفو القمر وضّاء.. للشمس يلبي النداء.. كانت هناء تشدو بأغنيتها المفضلة بصوتها الشجي “ناديت والليل جاوبني وبكاني”، وكان نبيل يشعـر بها ويقول لها “بتناديني تاني ليه”.

ولم تتوقف عن الحيلة والدهاء؛ ففي الماضي القريب بعد أن أهداها أولى رحلاتهما لأوروبا، زاد طموحها وأرادت أن تكمل دراستها بالخارج ، قدم لها النصيحة وعاونها حتى حصلت على فرصة الدراسة بأوروبا.. ذهب معها ليعاونها في ترتيب أمور حياتها فغنت له “صعب تغيب عن عيني لثانية”.

ومرت الأيام الحلوة والذكريات السعيدة حتى عاد المساء “ذات ليلة” أعدت له مائدة عشاء فاخر من المعكرونة الحارة المفضلة بصلصة أنغام “never mind , I’ll Find somebody like you “.. بعد أن علّمها أبجديات اللغة اللاتينية، وعلى الرغم من ذلك أهداها مشاعر “وردة الحب الصافي”.

وبعد العشاء، رافقها لسكنها وغادر لفندقه.. وفي الصباح الباكر، استيقظ نبيل على حلم مزعج.. قلق عليها.. ذهب ليطمئن عليها وجدها تحضّر حقيبتها لتغادر دون أن تعلمه.. تشاجرت معه بعد أن اكتشف أنها تود فراقه بلا أي سبب كان أو كان وقد باعته بثمن بخس.. فيغني نبيل وحيداً متأملاً “كان ياما كان”!

تتسارع الأحداث الكوميدرامانسية، ومرت الأيام.. عاد نبيل لسكنه بالعاصمة بعد أن كسرت مفتاح قلبه.. ظل نبيل يحاول أن يصلح ما أفسدته؛ لكونها جعلته مغرَماً، فطلبها للزواج من أهلها مرة أخرى ولم يصله ردٌّ قرابة عقد من الزمان.. وتصر هناء على الطريقة نفسها، فنبيل أكبر منها بسنوات طوال ويعرف جيداً أن “الحلوة لسه صغيرة”.

تتعمد هناء وأصحابها مقابلته بالصدفة الافتراضية، المتعمدة عدة مرات، بعد أن افترقا لتجعله يتحسر على الأيام الخوالي في متاهة الحب الأفلاطوني، مؤمنة بعقائد علم النفـس، العاطفة الخرافية التي تتقنها. وفي الخفاء والعلن، تتطاول عليه وتحيك له المكائد والكلمات الساذجة.. مع أطفال خفافيش ظلام ليل صيف خريف الشتاء البارد، واتهمته بجنون الحب المنشود.. وكانت تظن أن نبيل يقرأ فنجان مستقبل القلوب قبل نيكولاس كيج في فيلم Next.. وهو لا يعرف سوى الاستماع إلى أدب الشعر والأغاني العاطفية، فكان يقول لها إنما للصبر حدود.

وتتواصل مسيرة تأثيرات إكسير الحب الأفلاطوني بوخزات في قلبه، بعد أن تأكدت أنه أعمى الحب، لكن نبيل كان عرّاب التانغو كآل باتشينو، لكن في فيلم Scent of a Woman “.. يرقص على إيقاع أغنية العندليب “في يوم من الأيام”، وهو يردد كلمات شِعره المفضلة قائلاً:

“أنا نفسي أفتح بعيوني.. وأشوف الدنيا بلون تاني.. ولا عمري أصدّق لظنوني.. ولا حتى في يوم أبقى أناني.. كان نفسي في يوم إني أعيش.. الحب وأغمض أجفاني.. وأحلم من تاني إني أشوف.. طيف من ألوان الإنساني”.

فجأة، تعثرت قدماه فوقع على الأرض مغشيّاً عليه.. قام يتلمس حاله وهو يَشعُـر بصُداع الفرحة الخيالية، فوضع كفيه على رأسه حتى عينيه تدريجياً.. لقد عاد إليه النظر بمعجزة إلهية، في الوقت الذي كان يرى فيه بنور قلبه حدَ البصر والبصيرة، مؤمناً أن كل الرؤية نظر، ونصف الرؤية وجهة نظر..

وذهب إلى الفندق نفسه الذي تقابلا فيه أول مرة ثم دخل التياترو مع الفيشار؛ ليشاهد إحدى مسرحيات شكسبير المؤلمة التي تحبها، ويتذكر صوت فيروز قيثارة الأغاني “إنما الناس سطور كتبت.. لكن بماء “.. وعاد نبيل لبيته تراوده كلماته الكوميدرامانسية، يفتح التلفاز لأول مرة منذ إصابته في حرب بحر الحب الأفلاطوني؛ ليتأكد أن الصورة تعني ألف كلمة.. والكلمة تعني نفسها فقط .. فيسمع ويشاهد الحياة بلون الدوكالي “مرسول الحُـب “.. و يرى الفنان بوشناق يغني “خدو المناصب والكراسي بس خلولي وطن”.. والفنانة ريهام تغني “فيها حاجة حلوة”، فجلس متأملاً كلماته في كوكَبِ.. كَلمات.. تراتيل الحياة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top