مثلما يحمل وجه الإنسان ملامحه التي تميزه عن أبناء جنسه، فإن اللغة هي الوجه الآخر للإنسان التي تحدد ملامح انتمائه وهويته؛ لذلك فمن البديهي أن تُعتبر اللغة جهاز إرسال كان ولا يزال الهدف منه إرساء مبدأ التفاهم بين البشر.
وبالعودة إلى أصول اللغة، فإن العلماء انقسموا إلى شقين؛ يفترض الأول أن اللغات العصرية قد تفرعت من لغة أصلية واحدة، ويدعي الآخر أن جذورها تعود إلى عدة لُغات أصلية.
ولعل لأسطورة بابل المذكورة في الكتاب المُقدس نصيباً من الصحة رغم تعارضها مع بعض النظريات العلمية لأصل اللغة.
تصف القصة كيف أن البشر في البدء كانوا يتكلمون لُغة واحدة وهاموا في الأرض بحثاً عن مستقر لهم، وحين وصلوا بلاد الرافدين قرروا إنشاء برج يُخلد عظمة الإنسان، لكن هذا الأمر أثار غضب الله فدمر البُرج وشتت البشر إلى مجموعات وبلبل ألسنتهم بحيث صار كلٌ يتكلم لغةً لا يفهمها الآخر.
إن حِكَم ومواعظ هذه القصة عديدة، ولكني ذكرتُها هُنا؛ لأبين مكانة اللغة عند البشر منذ الأزل كرمزٍ للوحدة والتشارك.
ومن هنا ظهرت الترجمة كأداة لمد جسور التواصل بين الثقافات والحضارات منذ أقدم العصور سعت من خلالها لإخراج الإنسان من حدوده الجغرافية والمعرفية، وبالتالي إدماجه مع الآخر.
فلعبت الترجمة دوراً هاماً في نشر الفنون والأديان والأدب كما أشرعت أبواب التفاعل والاندماج بين جُل الحضارات القديمة.
ولكن ماذا لو أننا كُنا نتكلم لغة واحدة؟ ماذا لو أن ألسنتنا لم تَتبلبل كما كان الأمر قبل بُرج بابل؟ هل كان سيضمن هذا التوحد اللغوي توحد الجنس البشري؟
كان من الممكن أن يخلق الله جنساً واحداً ونوعاً واحداً ولُغةً واحدةً، ولكن حتى أروع اللوحات الفنية التي اختلقتها يدُ الإنسان احتوت على الأقل على لونين مُختلفين.
لم ولن يكون للحياة معنى إن لم يُوجد الموت، وكذلك حال كل المتناقضات في الكون التي اكتسبت معانيها من وجود أضدادها.
لذلك فإن حالة الفُرقة التي أصابت البشرية عُقب الطوفان وقصة بابل كانت نعمة من الله لا نقمة وقياساً عليها في جميع قصص الأديان، فإن حالة الاختلاف هذه حافظت على بقاء الكون وأنقذته من الزوال.
وبتعدد الثقافات تختلف اللغات التي تلعب دوراً مهماً في تحديد الملامح المميزة لكل ثقافة عن الأخرى فهي ليست مجرد أداة تعبير عن الأفكار أو وسيلة لتوصيلها بل تقوم اللغة ببلورة هذه الأفكار وتقديمها بالشكل الذي تُعرف به.
وهذا ما تحدثت عنه فرضية سابير وورف، أو ما سُمي بفرضية النسبية اللغوية ومؤداها أن بنيات اللغة الأم تحدد نمط التفكير لدى الشعوب وتنظم ثقافتها وبها يتمثل العالم.
تفترض هذه النظرية أن “البناء اللغوي لأي لغة يؤثر على الطريقة التي ينظر بها الشخص ويكون مفهومه الخاص عن العالم”. انطلاقاً من هذه الفكرة، فإن التعرف على مختلف اللغات واللهجات شرط من شروط فهم الآخر ومد جسور السلام مع كل من يختلف عنا فتُطمس الحدود بين مُختلف الأطياف والألوان والأجناس واللغات.
ولكن هل وصلنا حقاً إلى هذه النتيجة؟
لقد تميز العرب عبر التاريخ في فنون الخطابة والكلام، وتواصل هذا التميز حتى إننا أصبحنا اليوم نتكلم كثيراً ونفعل قليلاً ونسينا أنه وكما ورد في القرآن الكريم قد “كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون”.
لقد أصبح الحديث عن التعددية بشتى أنواعها ومظاهرها في مجتمعنا العربي كمن يُلقي بديباجة حفظها الجميع غير أن تكرارها لم يضمن أبداً أن التعددية بمفهومها الشامل والعابر للحدود كما الخاص بأبناء الوطن الواحد قد أصبحت قانوناً نحتكم إليه في التعايش فيما بيننا.
فبرزت العنصرية كظاهرة متجذرة في ثقافتنا ولُغتنا، فالعنصرية لم تعد فقط محصورة على الجنس واللون والعقيدة بل أضحت لُغوية حد تهميش وإقصاء الآخر صاحب اللغة/ اللهجة المختلفة.
ويُشكل التمييز على أساس اللغة أشد أنواع العنصرية خطورة على بنيان المجتمع، بعد العنصرية الطائفية؛ إذ إنه يتسرب في نسيج المُجتمع كحشرة السُوس التي تجد أثر دمارها دون أن تعرف أنها كانت هناك.
لكن المُشكل الأكبر هنا هو أن هذا النوع من العنصرية يُمارس في اللاوعي الفردي والجماعي لأبناء مجتمعنا فتتشكل على هيئة نظرة دونية تحملها فئة من المجتمع ضد أخرى والتي تترجم عادة لِلُغةٍ ساخرة أو على شكل “نكات”.
فمن منا لم يضحك على المثال الأشهر لهذه النكات والتي كان ولا يزال أبطالها أهل صعيد مصر، حتى إن كل الصور النمطية التي رُسمت عنهم باتت لصيقة بهم.
ولقد انتشرت هذه الظاهرة في جميع أقاليم المجتمع العربي ففي تونس مثلاً يتم تأليف النكات التي تسخر من الشعب الليبي بنفس الطريقة التي سخر بها القاهريون من أهل صعيد مصر حد اعتبار تشبيه التونسي بالليبي قمة الاهانة.
يجب علينا هُنا أن نواجه أنفسنا بحقيقة أننا عُنصريون قبل توجيه إصبع الإدانة نحو الآخر فجميعنا ضحكنا، وجميعنا قُلنا إحدى الجمل التالية: “هم أجانب، ولكن فيهم الخير”، “هي امرأة ولكن بألف رجل”، “هو من دين آخر ولكنه طيب”، “هو من الجنوب ولكنه ذكي”… وما إلى ذلك من جُمل بصيغة الاستدراك التي تنفي الصفة المُلحقة عن الفئة التي ينتمي إليها المُتكَلَم عنهم.
لقد أطلقت عالمة اللسانيات توف كانغاس مصطلح ” اللينجويسيزم” على هذا النوع من العنصرية وعرفته بأنه “تلك الأيديولوجيات والهياكل المستخدمة لشرعنة وتفعيل وإعادة إنتاج التوزيع المتباين للسلطة والموارد بين المجموعات على أساس اللغة”؛ لذلك فقد تجاوز الإشكال هنا مجرد مفردات تجرح المشاعر ليتفاقم إلى حد كونه تقنية تتبعها المجموعة المهيمنة في المجتمع لترسيخ وتعزيز هيمنتها وحصولها على السلطة المطلقة.
لذلك وبناء على الاختلاف في استخدام اللغة فقد يتم إطلاق أحكام مسبقة على فئة من المجتمع كاعتبار استخدامها لهجة مُعينة دليلاً على تدني المستوى التعليمي والحالة المادية والاجتماعية وهو ما يؤدي في الغالب إلى المعاملة الدونية والظالمة وغير المبررة لأبناء تلك الفئة.
أذكر أنني كنت أستمع إلى الراديو صحبة إحداهن حين تكلمت إحدى المذيعات بلهجتها الجنوبية فوصفت السيدة صوت المذيعة بالنشاز.
لقد اعتادت السيدة على سماع لهجة العاصمة فقط في منابر الإعلام والسلطة وهو ما جعل عقلها البسيط يذعر حين سمعت اللهجة التي تتكلمها هي في المذياع.
لقد ترسخت في ذهنها تلك الصورة النمطية التي صنعتها الفئات المهووسة بذاتها عنها ولعل الذنب ذنب كل من يستسلم في الخانة التي وُضع فيها حد لجوء البعض لاستخدام لهجة الآخر تجنباً للتهميش المحتمل.
جميعنا شَهدنا مواقف شبيهة حين حاول أحدهم تقليد اللغات الآسيوية بإضافة حروف الواو والجيم إلى كلامه؛ لينفجر الجميع بالضحك على ذلك الجهل المشترك، جميعنا شاهدنا مسلسلات ومسرحيات كانت فيها اللهجة غير المهيمنة مدعاة للسخرية والضحك، سواء كانت لهجات الجهات المُهمشة أو الخليج أو الصعيد.
جميعنا أطلقنا أحكاماً مسبقة على أحدهم لتكلمه بلغة أو لهجة معينة، جميعنا كُنا عُنصريين بشكل أو بآخر رغم أنه لا شيء أجمل من أن يكون لكل منا هوية تُميزه عن الآخر، فمجرد أن أحدنا ليس الآخر يُشكل سبباً كافياً لاختلافه وتميزه، وبالتالي جماله.
لن يكون في تكلم لُغة واحدة حل لإرساء سُبل التفاهم والتواصل ومبادئ التسامح وقبول الآخر بين البشر، بل إن في تعدد اللغات حكمة من شأنها أن تخلق وحدةً ساميةً بين البشر سنصل بها حتماً إلى نقطة التخاطب بألف لسان بنبض قلب واحد أوحد، فالحل يكمن في قلب الإنسان لا في لسانه.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.