<a على ضوء الجدل الذي ثار حول مداخلة المفكر الإسلامي المحبوب عبدالسلام، في الندوة التي شهدتها الخرطوم الأسبوع الماضي، تحت عنوان: "تجديد الفكر الإسلامي قراءة في الآفاق المستقبلية" طفا إلى السطح سؤال شديد الأهمية هو: هل يبدو الإسلاميون السودانيون، لا سيما الذين ما زالوا يرابطون داخل خندق الحكم السلطوي الإنقاذي، أشد حاجة لإصلاح وتقويم الأخلاق أم أنهم بالفعل في حاجة لتجديد الفكر الإسلامي والتطلع لآفاقه المستقبلية؟ فور انتهاء تلك الندوة الفكرية، اشترعت صحيفتان مواليتان للنظام الحاكم هجوماً عنيفاً على الأستاذ المحبوب عبدالسلام بدعوى أنه قال بتفوق العقل الإنساني على القرآن، وتولى كِبر الحملة عليه كاتبان إنقاذيان عُرفا بنزعتهما الشديدة إلى تحوير الاختلاف الفكري إلى خلاف سياسي، ومن ثم الانتقال به إلى ميادين التشهير والتكفير. بيد أن حملة التشهير التي انطلقت في صحافة الخرطوم كشفت أن ذلك الصراع يقوم بين نمطين من التفكير؛ الأول منهما على نحو ما يصوّر د. نصر حامد أبوزيد: "يجسد نمط الثبات والتثبيت والدفاع عن الماضي والتشبث بقيمه وأعرافه مهما كانت النتائج التي يفضي إليها من تزييف الحاضر وسد الطريق أمام المستقبل، والثبات قيمة تعني مقاومة التغيير والنفور من التطور والتشبث بهذه القيمة، ويعكس بشكل لافت الدفاع عن مصالح قائمة في بنية الحاضر، مصالح يهددها التغيير ويقضي عليها التطور". ويجد د. نصر أبوزيد أن أصحاب هذا التفكير يقومون باستخدام التراث الإسلامي بل الإسلام نفسه استخداماً نفعياً ذا طابع سياسي.. بينما نمط التفكير الثاني هو نمط التركيز على الفهم واستنباط الجوهري والدفاع عن التطور لمعانقة المستقبل. اختار المحبوب عبدالسلام أن يكون إسهامه بالحديث عن "التجديد والحداثة، من إقبال إلى أركون"، بالتركيز على محمد إقبال؛ إذ عدّه المفكر المسلم الأول الذي بحث في قضية "فلسفة الدين" باعتبارها قضية جامعة لكل الإنسانية، سوى أنه السابق الهادي لاستخدام كلمة التجديد؛ إذ كان سابقوه لا يغادرون دائرة الإحياء والإصلاح. وفي بيانه لموقف محمد إقبال ذكر المحبوب: "أنّ إقبال كان يعتقد أن القرآن يجيب على كثير من الأسئلة الفلسفية، ولكنه كان يعتقد كذلك بأن الإنسان هو مركز البحث، ولذلك وجد إقبال أن العقل الإنساني يمكن له أن يتجاوز القرآن.."، قبل أن يبين رأيه في منزع إقبال إلى ذلك بالقول: "أنا أعزو هذه المسألة إلى أنه -أي إقبال- لم يكن يتحدث اللغة العربية..". لقد عبّر إقبال بكلمات واضحة أن أكبر همّه هو "بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناءً جديداً، آخذاً بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في مختلف نواحيها"، وكان إقبال حفيّاً بالعقل الإنساني الفعّال بل أنكر على محاولات الانتقاص منه بوصفه متناهياً في جوهره، يقول في كتابه "تجديد الفكر الديني في الإسلام": "الرأي القائل بأن العقل في جوهره متناهٍ، ومن ثَم لا يقدر على إدراك غير المتناهين رأي ينهض على تصور خاطئ لحركة العقل في تحصيل المعرفة..". كان الوقوف على حدود الآراء التي قال بها إقبال ضرورية لمن ألزم نفسه بتناول قضية الحداثة والتجديد بين إقبال وأركون، بل لا غنى له عن الوقوف لدى رأي اللسانيين المحدثين الذي يرون: "أن أي نص هو تاريخي وموصول بتاريخه"، وهكذا وجد المحبوب أن أركون يمثّل خاتمة التعامل مع النص المقدس؛ إذ نظر للقرآن على أنه نص تاريخي لا يمكن أن ينظر له إلا في هذا الإطار. لم تكن هذه هي الخلاصات التي انتهى إليها المحبوب عبدالسلام، كان ذلك نتاج بحث واصله أركون على مدى أربعة عقود قام كله على قراءات نقدية اعتمدت منهجاً لسانياً وسّيميائياً وتّحليلياً للقرآن الكريم، وقد تابع نشر حصيلة درسه في ذلك السياق وصولاً لكتابه: "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني". كانت تلك هي الإفادات التي بنى على إثرها إسحاق فضل الله حبكة غاصة بالأكاذيب التي أقر في حوار تلفزيوني محفوظ أنه يلجأ إليها في حروبه متى شاء: "أنا محارب إسلامي، بالكذب، صحيح، حتى الدين. النبي صلى الله عليه وسلم يقول "الحرب خدعة"، وهكذا لم يتحرّج أن يكتب البارحة: وأمس الأستاذ الطيب مصطفى ينقل عن المحبوب عبدالسلام قوله إن (العقل الإنساني بإمكانه تجاوز القرآن). كبُرت كلمةً تخرج من أفواههم. <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>