<a الخوف مصطلح رافقني في معظم أيامي حتى ظننته لوهلة أنه نزيلٌ على كتفي، أصبحت أبحث عميقاً في داخلي عن ردهةٍ لا تحوي بقايا شعورٍ زائفٍ لعلي أتفادى حتفي، يصبح الخوف حاجزاً لما يبنى في داخلي، فكنت أخاف المشي باكياً حتى كرهت الجلوس ليس مرغماً، ولكن خوفاً أن يكون هو كل ما يكونني. الخوف أصبح مزروعاً في كل تفاصيل يومي، أذكرُ خوفي من كوب الحليب البارد وصولاً لشُعلة الموقد التي كانت ألوانها تجذبني، وكان يكبر معي بعيداً عن أسفل الردهة التي كانت تنتهي بظلمةٍ قاتمةٍ يتغاير فيها لوني، حتى أصبح منعطف حَيّنا يحمل وجوهاً غريبةً عني، وجوهاً أرادت أن تنصهر مع خوفي فتصبح منهُ أو جنداً له، ما مللتُ الخوف بل اعتدته، فلم أعد أخشى الظلام، بل أصبح ونيساً حين يقرر المساء أن يزورني. أُعد له كوباً فارغاً فيهِ ثلاث معالق من الحزن الخفيف، ويكون جليسي حتى ينتهي المساء، اعتدت الهرب من أي شيء ليس رغبةً بل خوفاً فهذا ما أجيده بل هو أصبح جزءاً مني. أصبحت أحمل خوفاً احتياطياً في جيبي، لعلي أصادف شيئاً كان يشبهني لكنه أصبح على الضفة الثانية من المعركة، لكن الخوف ملّ من كونه روتيناً في يومي، فقرر الانتقام إذ زرع بذرةً جديدة تسمى "الفقد" زرعها بداخلي، في اليوم التالي قمت بالنظر لوجه أبي كيف ازدادت التجاعيد في وجههِ حتى وإن كان مبتسماً، أما أمي أصبحت تتألم حين يقترب الشتاء حينها أصبح أحد أحبتي أكثر ما يُخيفني، فالشتاء رغم وصيتي له وسردي لأحزاني وذكرياتي على مسمعٍ منهُ ورغم اتكائي عليهِ قام بطعني. أنظر في المرآة كيف تغيرت عيناي وأصبحت أقل بريقاً كيف يطغى الخوف على لونها حينها تأكدت أنه تسلل وغير ملامحي استكنت للخوف فليس بغيره تكتظ أروقة ذكرياتي، فعدت لشريطٍ ما كللت أعيده على جدار غرفتي، شريط ذكرياتٍ يحملُ أول رعشةٍ من برد الشتاء وأول ليلة قضيتها بعيداً عن سرير والديّ، أول يوم أسقط عن دراجتي ذات الأربع عجلات، أول لقاء مع الغرباء، أول سقوطٍ في وكر الحب وأول وداعٍ يعشش ألماً في داخلي، يحملُ أول خطوة إلى مدرستي ويحمل خوف الوصول. الوصول لكل شيء، للصباح، للسقوط التالي حتى أنك ستخاف التأخر بالوصول، نعم، فأنا أخاف أن أصل إلى تلك اللحظة التي أشاهد فيها ملامحي تضمحل في انعكاس صورتي، أشاهد أساس الأيام يسقط من يدي. أخاف أن أصل إلى الوقوف وحيداً حتى الهواء حولي لا يستطيع أن يسندني، أخاف أن أرى خسارتي في جميعٍ من حولي، فلا أريد أن أخاف كل ما كان جزءاً مني، فالليل أصبح مدججاً بالخوف كبندقيةٍ حُفظت في جدار جنديٍّ عاهد الله أن لا يقتل بها إلا حين يصبح آخر رجل في وطني، وخوفي أعطاه هذه الصفة. استيقظت من ذلك الحلم خائفاً من كل هاجسٍ يراودني، أذعنت للخوف فليس لي مهربٌ منه فهو يملك الكثير ضدي، يملك ضحكة أمي وصوت إخوتي، يملك كل ما أستطيع فقده وبه يكبلني. سلمت له يدي راضياً بالخوف على الفقد فلعلي أهزمه حين يدنو النهار مني، فاستيقظت على صوت طرق الشمس لنافذتي، وخوفي كالنزر على صدري، فتحت النافذة واعتذرت من الشمس أنني ما عدت حليفك فالليل أصبح يملكني، وارتديت خوفي كالمعطف رغم أن الفصل بعيدٌ عن الشتاء فكنت خائفاً أن يأخذهم مَن كانوا ورائي مني، خرج معي خوفي تاركاً كل ما يهمني خلفي وأغلقت الأبواب بإحكامٍ كي لا يتسلل الخوف ويباغتني، فيسرقهم ويحمل كل الذكريات معه ويصبح البيت خاوياً حول جسدي، فارتديت الخوف حباًّ لهم فأنا أخاف فقدهم ولا أخاف خوفي. <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات عربي بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>