7 اقتصادات كبرى على أعتاب أزمة كساد جديدة

بعد أزيد من 10 سنوات من سقوط أغلب اقتصاديات العالم في أزمة مالية ثم كساد عالمي، بدأت هذه الاقتصاديات في التعافي بفضل فترة ما يعرف بالعشرية الذهبية للاقتصاد، وهي الفترة التي تلت أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة ثم أزمة الديون السيادية لدول منطقة اليورو في أوروبا، فبفضل برامج الانعاش الاقتصادي عرفت هذه الاقتصاديات الطريق للنمو من جديد، فالاقتصاد الأمريكي مثلاً والذي كان يفقد 800 ألف وظيفة بشكل شهري، عرف خلال شهر يوليو/تموز الماضي أدنى مستويات البطالة بمعدل 3.7%، وانتقل من معدل نمو سالب بـ 2.8% لسنة 2009 إلى 3.1% موجب خلال الثلاثي الأول من سنة 2019.

 ولكن ليس كل الاقتصاديات المتضررة من الأزمة المالية العالمية عرفت طريقها نحو التعافي، فلا تزال العديد منها تواجه مشاكل وعقبات تحول دون تحقيقها لمعدلات النمو المرجوة، وقد أكد صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير أن معدل النمو العالمي المتوقع لهذا العام لن يتجاوز 3.2% و3.5% لعام 2020، وسبب ذلك هو التوقعات المتتالية بإمكانية وقوع سبع اقتصاديات كبرى في أزمة اقتصادية خانقة قد تقود إلى كساد عام، وهذه الاقتصاديات هي كل من الاقتصاد البريطاني، الألماني، المكسيكي، البرازيلي، الإيطالي، واقتصاديات هونغ كونغ وسنغافورة.

 أسباب تراجع هذه الاقتصاديات، منها مشتركة عامة مؤثرة على كل اقتصاديات العالم، والمتمثلة في الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين والتي كان لها أثر على مستويات الأسواق المالية العالمية، فحالة عدم التأكد جعلت غالبية المستثمرين مترددين في استثمارات أموالهم، خاصة في الأصول المالية قصيرة الأجل، وأفضل مثال على ذلك ما تعرفه أسواق النفط من تقلبات خلال فترة الحرب التجارية عند الإعلان على إجراءات حمائية من طرف حكومتي البلدين بفرض رسوم على واردات البلد المصدر، فخلال الفترة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فرضه رسوماً جمركية على ما قيمته 300 مليار دولار من السلع المستوردة من الصين بـ 10% ابتداءً من 01 سبتمبر/أيلول 2019، عرفت أسواق تداولات عقود النفط انخفاضا محسوسا، توقف مباشرة بعد إعلان الرئيس الأمريكي تأجيل تطبيق حزمة الرسوم إلى غاية 15 ديسمبر/كانون الأول 2019، لتعرف طريقها إلى النمو من جديد.

ونفس الشيء حدث خلال إعلان واشنطن حزمة رسوم جمركية على 100 مليار دولار سلع مستوردة من الاتحاد الأوروبي، عرفت الأسواق المالية العالمية ركوداً توقف عند وصول الرئيس الأمريكي إلى اتفاق مع رئيس المفوضية الأوروبية جون كلود يونكر على تقديم الاتحاد الأوروبي على تنازلات لصالح الطرف الأمريكي لتفادي حرب تجارية بينهما، باستيراد الاتحاد الأوروبي لكمية أكبر الصويا وخفض الرسوم الجمركية على المنتجات المصنعة في الولايات المتحدة. إلى جانب الحرب التجارية الصينوأمريكية، تعرف اقتصاديات تلك الدول العديد من العثرات سببتها العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحتى الأمنية والتي أثرت على نموها.

البريكست وأثره المدمر على الاقتصاد البريطاني

تعتمد بريطانيا بشكل أساسي في معاملاتها التجارية على الاتحاد الأوروبي، ففي صادراتها البالغة 395 مليار دولار خلال عام 2018، 55.7 بالمئة منها موجهة نحو الاتحاد الأوروبي، في حين أن في وارداتها البالغة 617 مليار دولار خلال نفس السنة 61 بالمئة قادمة من الاتحاد الأوروبي، ولكن ما تستورده بريطانيا لا يمثل سوى 13% من صادرات دول الاتحاد الأوروبي.

هذا معناه أنه وفي حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ودون اتفاق مع إعادة فرض الرسوم الجمركية وفرض القيود على انتقال كل من اليد العاملة، التكنولوجيات، ورؤوس المال والبضائع، فإن بريطانيا سوف تكون المتضرر الأكبر، حسب المتتبعين يوجد احتمال كبير لحدوث ذلك، خاصة بعد استقالة تيريزا ماي وهي التي كانت معارضة للبريكست وامساك بوريس جونسون بمقاليد السلطة في دوانينغ ستريت، وهو من أكبر المدافعين والمناضلين من أجل انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وتحقيق ذلك قبل 31 أكتوبر المقبل.

اليوم يعرف الاقتصاد البريطاني أسوأ معدلاته للنمو، فبعدما بدأ يتعافى خلال الفترة 2013 إلى نهاية 2015 بمعدلات نمو بين 2.1% إلى 3.1%، مباشرة بعد تصويت البريطانيين على الانفصال بدأ الاقتصاد البريطاني يتراجع من 1.9% نهاية عام 2016 ثم 1.8% نهاية عام 2017، ليعرف أسوأ معدلاته خلال الثلث الثاني من السنة الحالية بـ 0.2% عن الثلث الأول، مع تحذيرات الخبراء أنه في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، فإن قيمة التداول في أسواقها المالية سوف تنخفض بـ 5%، ومع إمكانية فقدان الجنيه الإسترليني لـ10% من قيمته، وهو الذي فقد 16.3% من قيمته منذ التصويت على البريكست في 23 يونيو/حزيران 2016، مع امكانية انكماش الاقتصاد البريطاني بـ 2% حتى نهاية 2020، وارتفاع معدلات البطالة وعودتها إلى نفس مستوياتها خلال سنوات الأزمة المالية.

 تراجع الصادرات يسبب انكماش الاقتصاد الألماني

إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يكون له الأثر الأكبر على الاقتصاد البريطاني ولكن هذا لا يعني أنه لن يؤثر على اقتصاديات دول الاتحاد الأخرى، وأفضل مثال على ذلك هو ما يحدث لصادرات ألمانيا رابع أقوى اقتصاد عالمي، وثالث أكبر بلد تجاري في العالم بمبادلات تقدر بـ 2.41 تريليون دولار لعام 2018 (1.3 تريليون كصادرات و1.08 تريليون كواردات).

في خلال الربع الثاني من عام 2019، عرفت صادرات ألمانيا تراجعاً واضحاً، بلغ أسوأ معدل في يونيو/حزيران 2019، بحيث سجلت ألمانيا تراجعاً بـ 8% في صادراتها، بتصدير 106 مليارات يورو فقط من السلع، وتشير الأرقام إلى أن صادراتها للدول خارج منطقة اليورو هي التي تعاني من الركود، ابتداءً من الدول الأوروبية خارج منطقة اليورو، بحيث بلغت صادراتها لهذه الدول ما قيمته 23.5 مليار يورو من السلع بتراجع 7.2%، في حين أن صادراتها للدول خارج منظمة الاتحاد الأوروبي عرفت تراجعاً بـ 10.7%، لتصل إلى 42.6 مليار دولار في يونيو/حزيران 2019.

وكل هذا راجع في الأساس إلى تأثير الحروب التجارية والسياسات الحمائية التي تتخذها أغلب دول الاقتصاديات التي تجد ألمانيا في أسواقها مساحة لتسويق وتصريف منتجاتها، فالصين تستهلك 7.1% من صادرات ألمانيا، في حين أن الولايات المتحدة تعتبر أكبر مستهلك للمنتوج الألماني بـ 8.4% من صادرات ألمانيا.

وقد كان قطاع الصناعات الأولية هو الأكثر تضرراً إلى جانب قطاع السيارات، وقد أدى هذا التراجع إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من سنة 2019 بـ0.1%، ويترقب المتابعون أن يتراجع نمو الاقتصاد الألماني إلى نمو بـ0.4%، في الربع الثاني بعد التقويم، بعدما سجل نمواً بـ 0.9% في الربع الأول، وهذا ما جعل البنوك والمؤسسات المالية تضغط على حكومة ميركل كي تتخلى عن سياساتها المتوازنة في الإنفاق، والداعمة لميزان المدفوعات، بقبولها للاستدانة، خاصة أن ألمانيا تسجل فوائض في ميزانها للمدفوعات بشكل سنوي، بحيث بلغ 276 مليار دولار في سنة 2017 ثم انخفض إلى 250 مليار دولار في نهاية سنة 2018، وامتلاكها احتياطياً نقداً أجنبياً وصل إلى 187.4 مليار دولار في يونيو/حزيران 2019.

اقتصاد إيطاليا يدفع ثمن خيارات أيديولوجية للشعب

يتوجه الاقتصاد الإيطالي للدخول في أزمة خانقة جديدة، نتيجة للسياسات التي انتهجتها الحكومة الجديدة لجوسيبي كونتي المليئة بالكوادر الشعبية التي أتت بهم انتخابات الرابع من مارس/آذار 2018، والتي وعدت الشعب الإيطالي بالخروج من الأزمة لكنها لم تقدم حلولاً ناجعة لها، بحيث إنها أرادت اكتساب أصوات الناخبين بتقديمها لحلول وهمية كضرورة الحد من الهجرة غير الشرعية وحتى الخروج من الاتحاد الأوروبي، لرفع مستوى الأجور وتحسين مستويات التشغيل، لكن مشكلة إيطاليا لا تكمن فقط في هروب مناصب الشغل إلى دول الاتحاد الأخرى، لكن توجد مشاكل أعمق كالدين الخارجي الذي بلغ ما قيمته 2.44 تريليون دولار أي 131.2% من الناتج المحلي حتى منتصف 2019.

وهذا ما يعيق إنتاجية الاقتصاد، ويمنع الإيطاليين من متطلبات العيش الكريم، ورغم تسجيل الميزان التجاري لفائض بـ41 مليار دولار خلال عام 2018، وميزان المدفوعات بـ45 مليار دولار من منتصف 2018 إلى منتصف 2019، فإن نسبة الديون الخارجية المرتفعة بشكل فاضح لم تسمح برفع إنتاجية الاقتصاد الإيطالي وبقاء نسبة البطالة في مستويات مرتفعة بـ9.7%، نظراً لانخفاض الاستثمار المنتج لمناصب الشغل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top