| يمكننا القول أن المسيرة التدريبية لمدرب النادي الأهلي المصري الجديد، رينييه فايلر، انطلق قطارها مع نادي أرارو السويسري في عام 2011، عندما تسلم الفريق وهو قابع في دوري الدرجة الثانية. لكنه استطاع في وقت قصير وضع بصمته على أداء الفريق، لكن لم يستطع الصعود إلى الدرجة الأولى في نهاية موسمه الأول. فايلر لم يستسلم، واستطاع التتويج بلقب دوري الدرجة الثانية في ثاني مواسمه ليصعد بالفريق إلى دوري الأضواء والشهرة، لتبدأ المغامرة الحقيقية. في أول مواسمه في الدرجة الأولى استطاع فايلر تجنب الهبوط، وكان على بعد نقاط معدودة من المشاركة في بطولة الدوري الأوروبي. قرر فايلر بعد ذلك الرحيل عن النادي الذي صنع اسمه في سوق المدربين بحثاً عن تجربة جديدة وتحدٍ أكبر. وأرجع المدرب السويسري السبب إلى شعوره بأنه لا يوجد أي فكرة إضافية يستطيع تقديمها لأرارو. في ذلك الوقت كانت أسهم فايلر ترتفع بقوة في الداخل السويسري، وكان أحد المرشحين طبقاً لتقارير صحفية لتدريب أندية بازل أو سيون، اللذين يعدان من أكبر الأندية السويسرية، والتي تنافس على اللقب بشكل مستمر وتضمن المشاركة الأوروبية كذلك. لكن، وعلى النقيض فاجأ فايلر الجميعَ وخرج من سويسرا للمرة الأولى في مسيرته، سواء كلاعب أو كمدرب، وانتقل إلى نادي نورنبرج القابع دوري الدرجة الثانية في ألمانيا في خطوة لم تكن الأفضل على الإطلاق. في الموسم الأول في ألمانيا احتل المركز التاسع، وفي الموسم الثاني وصل إلى ملحق التصفيات المؤهلة إلى دوري الدرجة الأولى بشق الأنفس، ولكنه خسر أمام إينتراخت فرانكفورت بهدفين لهدف في مجموع المباراتين، ليفشل في الصعود للبوندسليغا. ومن عدم تحقيق النجاح مع نورنبرج واصل فايلر رحلته خارج سويسرا، وتلك المرة حطَّ الرحال في بلجيكا عن طريق أندرلخت في 2016. في موسمه الأول تُوج بلقب الدوري، وقاد الفريق لبلوغ ربع نهائي الدوري الأوروبي بعد الإقصاء من تصفيات دوري أبطال أوروبا. وفي ربع نهائي الدوري الأوروبي خسر بصعوبة بالغة من مانشستر يونايتد بهدفين لهدف، بعد اللجوء للأشواط الإضافية، في إنجاز ضخم للنادي البلجيكي بوصوله لتلك المرحلة. الموسم الثاني لم يسر بشكل جيد، وفاز في لقائين فقط من أول سبع مباريات في الدوري، وحل ثالثاً في مجموعته في دوري أبطال أوروبا لتتم إقالته. بعد أن انتهت رحلته في بلجيكا، لم يتلق فايلر أية عروض جذابة من الدوري الإنجليزي أو الأسباني أو الألماني كما كان يأمل، ليدخل في خلافات مع وكيل أعماله. وتفاوض المدرب السويسري مع عدة أندية من بينها يانج بويز السويسري والشباب السعودي، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي مع أي من هذه الأندية لأسباب بعضها ماديّ والآخر فنيّ وإداريّ. وفي شهر أبريل/نيسان من عام 2018، عرض فايلر سيرته الذاتية على منتخب الكاميرون، الذي في النهاية اتفق مع كلارينس سيدورف. في شهر يوليو/تموز الماضي، أبدى فايلر اشتياقه للعودة إلى التدريب مرة أخرى وقال: “أشعر بالراحة لأن المدرب دائماً ما يشعر بالضغط، لكن بكل تأكيد أنا أفتقد للكثير من الأشياء، أبرزها الدخول في تحدٍّ جديد”. خطة لعب فايلر المفضلة هي 4-2-3-1، لكنه مدرب مرن للغاية، ويغير الخطة بحسب المنافس ومجريات المباراة. وطبقاً للعبة “فوتبول مانجر” الشهيرة والمتخصصة في عملية تحليل بيانات كرة القدم، وموقع Whoscored المتخصص في ذات العملية، فإن رينييه يحبذ أسلوب اللعب المباشر على مرمى الخصم، ويفضل اللعب الهجومي. أما طريقته المفضلة في مراقبة لاعبي الخصم فهي خليط بين الرقابة الفردية ودفاع المنطقة. كما أن إحدى أفضل الإيجابيات في أسلوب فايلر هي تطويره للاعبين الشباب، إضافة إلى قدرته على شحن الروح المعنوية للاعبيه. لكن يعيبه هشاشة دفاعات الفرق التي أشرف عليها، إذ إن معدل استقباله للأهداف على مدار تاريخه التدريبي هو 1.1 هدف في المباراة الواحدة. هل يعبُر السويسري إذن بالأهلي نحو طريق البطولات القارية مرة أخرى؟ أم تنقطع عليه سُبل النجاح كمَن قبله؟ لا توجد ضمانات، عدم الوعد بشيء هو وصفة النجاح السحرية، ولكن لا بد من العمل، فالعمل، ثم العمل؛ لأن وضع خطة العودة لفريق بحجم الأهلي المصري من الأشياء الصعبة التي تتطلب أن تكون عبقرياً ونرجسياً. ولقد لمست في كلماته الاستعلاء بذاته، والثقة البالغة، وهذا سلاح جدير بالاعتبار إذا أردت أن تقوم بتلميع هوية وشخصية بطل جاوزته أحداث الزمن وانتقصت من أسباب نجاحه، من حيث اختياره لعناصر المنظومة ولقائدها. البعض يعتقد أن مهمة اختيار المدرب في هذه الحالة هي مهمة سهلة، لكن الاختيار هنا يتم بناء على مقومات يفترض وجودها بناءً على طريقة عمله في الأندية السابقة، وطريقة إدارته للاعبين داخل الميدان وخارجه. العديد من التساؤلات يجب أن يطرحها المشجع المهتم بشؤون فريقه. فهل تصلح طريقة لعب فايلر مع اللاعبين الموجودين؟ وإذا كانت الإجابة هي لا، فهل يمتلك المدرب القدرة على تطويع إمكانات اللاعبين مع رؤيته وخططه؟ هل يقوم بالاستفادة بالصغار من قطاع الناشئين كما قامت لجنة التخطيط بالتصريح بمسؤوليته عن ذلك؟ هل يقوم بما يتميز به، من تطوير اللاعبين وإعطائهم مهام جديدة ومراكز جديدة، مثلما كان يتميز أثناء تجاربه السابقة؟ هل يعيد تجربة السطوة الإفريقية ويحقق نجاحات كبيرة؟ هل يعيد استنساخ تجربة مانويل جوزيه دا سيلفا مع الجيل التاريخي؟ كل هذه التساؤلات لا أحد يملك الإجابة عنها، حتى رينيه فايلر نفسه، ولن تستطيع إجابتها سوى الأيام القادمة، وليس أمام الجميع سوى الانتظار والصبر. لكن مع كل هذا علينا أن نوجه له ولمسؤولي لجنة التخطيط بعض الكلمات: استنساخ التجارب لا يتم بالنوايا الطيبة، فهي وحدها لا تكفي. وعلى المسؤولين عن الملف الكروي إعطاءه كل الصلاحيات والضمانات، وتوفير كافة سبل النجاح من ملعب إلى تجهيزات طبية ونفسية وإعلامية. الدعم الكامل هو الدعم بكل شيء، ثم المحاسبة على المنتج النهائي. قد تكون تلك التجربة هي التي نبحث عنها منذ سنوات، وعلى فايلر أن يعرف جيداً أن التجارب الملهمة تبدأ من القاع للقمة. أنت تبدأ من حيث انتهي مَن حاولوا ولم ينجحوا، أم تبدأ باستبعاد أسباب الخيبات وتجاوز مسببات الأزمات. مع الوضع في الحسبان أن الجمهور شغف متطلب لا يؤمن سوى بالفوز ويتخذ من الانتصار عقيدة. التصميم على الطرق غير التقليدية قد يكون سلاحاً ذاً حدين، لكنه الطريق الوحيد لأن تُكمل. لم يسلُك السابقون سوى الطرق المأهولة بالنمطية والفكر التقليدي، الطريقة الهجومية، التي يُؤثِر فايلر تطبيقها على طريقته الخاصة. |