ما الذي حدث مساء العشرين من سبتمبر؟

 كمفاجأة طال انتظارها جاءت الأخبار العاجلة عن تظاهرات مناهضة للرئيس المصري في ميدان التحرير وحراك واسع في الميادين الرئيسية بالعديد من المحافظات الأخرى. وامتلأت المحطات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي بالصور وبالبث المباشر لتنقل هتافات بإسقاط النظام ومطالبات رحيل السيسي. فما الذي جرى في هذه الليلة؟ 

بدون معلومات كافية لا يمكن إجابة هذا السؤال بسهولة لكن هذه بعض الوقائع والملاحظات الأولية التي يمكن الانطلاق منها:

أولا: تظاهرات الأمس هي أكبر انتفاضة شعبية مناهضة للسيسي وأوسعها انتشاراً منذ توقف الفعاليات الكبرى الداعمة للشرعية منذ نحو خمس سنوات، وإن كانت تمتاز عن هذه الأخيرة بكونها أكثر تنوعاً وتعبيراً عن قطاعات أوسع من المصريين. 

ثانياً: هناك مؤشرات عدة تشير إلى ضلوع أجهزة أمنية أو بعض قياداتها في التخطيط لهذا المشهد، أو التواطؤ معه على الأقل، وأهمها مؤشران: ترتيب ظهور محمد علي، المقاول والفنان المنشق عن النظام، ورسائله السياسية التي يرسلها بعناية، وطريقة تصعيده أمام الرئيس المصري وإدارته للأحداث، وثانياً أن سلوك الأجهزة الأمنية مع المتظاهرين كان أقل قمعاً وأقل ارتباكاً من المعتاد، مما جرأ المتظاهرين على التوافد على الشوارع.

ثالثاً: يتضح من رسائل محمد علي أن المقصود هو الرئيس وعائلته بشكل حصري ومباشر، وأن ذلك لن يتبعه استهداف لمؤسسات أو الانتقام من قيادات أخرى، لكن من غير المؤكد إن كان الهدف هو الإطاحة بالسيسي أم فقط ممارسة ضغوط عليه من هذه الأطراف لإحداث تغيرات في النظام السياسي أو تقديم بعض التنازلات لبعض الأجهزة والمؤسسات بعد إثبات ضعف وفشل الأجهزة المنافسة.

رابعاً: ما الذي دفع هذه الأجهزة أو هذه القيادات إلى التدخل بهذا الشكل للإطاحة بالسيسي أو إضعافه في هذا الوقت بالذات!

 الأمر غير واضح: ربما اعتراضاً على سيطرته هو وابنه ورجاله المقربين على الأجهزة الأمنية بطريقة شكل لها استفزازاً أو إهانة، وربما غضباً من سوء إدارته لملفات حيوية مثل أزمة سد النهضة أو الإرهاب في سيناء أو الملف الاقتصادي، أو أن ذلك في سياق التنافس المؤسساتي الذي لم يحسن السيسي قراءته أو تعامل معه باستخفاف.

خامساً: حتى الآن تبدو الأجهزة الداعمة للسيسي فعالة، الخطاب الإعلامي سواء في الإعلام الخاص أو الرسمي لم يتغير، وهناك قبضة أمنية مازالت تمسك بزمام الأمور، كما أن سلوكه -بالسفر في مثل هذا التوقيت إلى خارج البلاد- ينم عن أنه مازال مطمئناً إلى موازين القوى، لأن الاحتمال الآخر وهو أنه تم تضليله بالكامل من قبل مؤسساته يبدو مستبعداً. 

سادساً: الظرف الإقليمي والدولي يبدو مرتبكاً، وكثير من اللاعبين الإقليميين منشغلون بقضاياهم الأخرى، ورغم أن حلفاء السيسي الثلاث الأساسيين في الإقليم في أوضاع غير مستقرة (نتنياهو بسبب انتكاسته في الانتخابات الأخيرة، والسعودية بسبب التصعيد الإيراني ضدها، والإمارات بسبب تراجعها في ليبيا واليمن) لكن لا أظن أن أيا من هذه الأطراف – مهما كان انشغالها – سيترك حليفه الأهم في مثل هذه الظروف، أو يعجز عن محاولة التدخل للتأثير على تداعيات الأحداث في مصر

سابعا: حاليا تبدو كل الخيارات مفتوحة، بدءا من وأد الحراك بشكل كامل إلى حدوث ثورة شعبية واسعة، ورغم أن الأحداث تبدو حتى الآن تحت السيطرة وتسير وفق خطة مرسومة إلا أن احتمال حدوث مفاجآت غير متوقعة أمر وارد بشدة في مثل هذه البيئة المعقدة والسائلة، وقد يكون تصرفات رجل الشارع العفوية غير المحسوبة هي التي ستحدد مسار الأحداث في قابل الأيام.

ثامنا: ما الذي تحقق حتى الآن بشكل أكيد؟

رغم عدم اتضاح معالم الصورة كاملة لكن يمكن الحديث عن مكسبين كبيرين قد تحققا بالفعل ليلة أمس:

1. إرسال النظام رسائل غير مباشرة بإرخاء قبضته الأمنية وفق أدبيات الانتقال الديمقراطي تكون عادة بداية لإعادة تسييس المجال العام بعد إغلاقه وبل وربما بداية عملية تغير نظمي .. بالتالي فإن ما جرى بالأمس سيكون حدثا له مابعده .. علي الأقل سيؤدي إلى استعادة الأحزاب والحركات السياسية لجرأتها ومحاولة انتزاع مكاسب سياسية قدر الطاقة 

2. بنى الرئيس المصري الجزء الأكبر من شرعيته داخليا ودوليا من إحكامه السيطرة على جهاز الدولة وضبطه للأمور .. ومن ثم فإن هذه الهزة وإن جاءت من بعض قيادات أجهزته فإنها تطعن بشدة في هذه الشرعية .. حتى وإن اتخذ بعدها بعض الإجراءات الصارمة لاستعادة الهيبة

ورغم كل شيء يبدو أن نسمات الربيع العربي لم تتوقف عن مداعبة خيال الشباب الحالمين بالتغيير والطامحين لمستقبل أفضل لدولهم فعادت لتهب مرة أخرى بعد انقطاع في السودان والجزائر .. ومن يدري ربما مصر مرة أخرى

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top