انتشر خلال الأيام الماضية «تريند» على شبكات التواصل الاجتماعي متعلق بالشيخ الشعراوي واستخدام نظام السادات له وتوظيفه إياه. ومع الاحترام الكامل للأساطير السياسية والأيديولوجية السائدة في مصر عن «تقدُّمية» نظام يوليو/تموز في نسخته الناصرية، و «رجعيته» في نسخته الساداتية، تبقى الحقيقة أنه بخلاف العداء السياسي بين الناصرية وجماعة الإخوان المسلمين بمصر في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فإن نظام يوليو في الحقبة نفسها كان يحظى بدعم كثير من المفكرين الإسلاميين، الذين وجدوا فيه معبِّراً عن كثير من الأفكار والتوجهات التي كانوا ينادون بها بالتشارك مع نظرائهم العلمانيين منذ الثلاثينيات.
والحقُّ أن عبدالناصر كان ماهراً للغاية في استخدام هذه الحالة وتوظيفها، بداية من استخدامه قائد «النظام الخاص» التابع لجماعة الإخوان المسلمين عبدالرحمن السندي في تفخيخ الجماعة من الداخل، من خلال تأجيج الصراع بين جناحه وجناح المرشد العام المستشار حسن الهضيبي، وحتى استخدامه فيما بعد كلاً من الباقوري والبهي الخولي، وبدرجة ما الشيخ محمد الغزالي، وغيرهم من المثقفين الإسلاميين. حتى إن الحكومة المصرية في الستينيات تبنَّت مشروعاً لإصدار وتوزيع عدة طبعات من كتاب «اشتراكية الإسلام»، الذي ألفه الأستاذ مصطفى السباعي، مرشد الإخوان المسلمين في سوريا.
وعكس ذلك كان تخلِّي النسخة الساداتية من نظام يوليو عن هذه الأفكار والتوجهات ذات المكوِّن «الإسلامي» والتي بَنَتِ الناصرية سمعتها على أساس تبنّيها ولو بلاغياً- هو الدافع الرئيس لاستخدام الشيخ الشعراوي والدكتور مصطفى محمود وأمثالهما بداية من فترة السبعينيات.
لقد كانت حاجة الناصرية والساداتية للتسويغ الديني والفكري الإسلامي ثابتة في كل الأحوال، وإن كانت متفاوتة ومتغيرة. وقد كان هذا التفاوت والتغير في درجات الاعتماد على المسوغات الإسلامية هو ما أنتج الاختلاف في شكل الخطاب الإسلامي الذي يرتضيه كل نظام من الخطابات الإسلامية التي توفر عليها المجتمع المصري آنذاك. لكن من المهم بمكان، تأكيد أن تأثير ذلك الاختيار على مضمون «الإسلامي» نفسه داخل الخطاب يبقى محل نظر ويرتبط بعدة عوامل، يشترك فيها المثقفون الإسلاميون والعلمانيون المرتبطون بالدولة على حدٍّ سواء.
العامل الأول هو رؤية المفكر أو المثقف نفسه، سواءً كان إسلاميّاً أو علمانيّاً، للدولة وموقفه منها، وتصوراته عن دورها والمهام التي يتوجب عليها تأديتها وعلاقتها بالمجتمع.
والعامل الثاني هو مدى تدخُّل الدولة في الخطاب أو المضمون الإسلامي الشرعي أو الفكري المقدَّم للجمهور، بمعنى هل وجدت الدولة في بثّ نوع معين من الخطاب الذي لم تتدخل في تشكيله ابتداءً، مصلحة لها مثل حالة الشيخ الشعراوي والدكتور مصطفى محمود أم أنها صنعت هذا الخطاب على عينها وبثَّته للجماهير وعملت على بثِّه في الناس؟ ويتضح معنى هذه المقارنة إذا ما وضعنا مثقفين من أمثال الأستاذ محمود أمين العالم، على سبيل المثال، في مقابل خالد منتصر حاليّاً، كما هي الحال إذا ما وضعنا الشيخ الشعراوي في مقابل خالد الجندي وسعد الهلالي حاليّاً.
أما العامل الثالث فيتعلق بمضمون خطاب المثقف نفسه من حيث جدّيته وعلميّته، وهذه مسألة يبدو جليّاً أن غالب مُنتقدي الشيخ الشعراوي حاليّاً أبعد ما يكونون عن القدرة على تقديرها والحكم عليها.
الخلاصة أنه لا يحق لمنتقدي الشيخ الشعراوي حاليّاً، من المثقفين العلمانيين هواة افتعال المعارك التافهة، أن يغضبوا أو يحنقوا على دولة يوليو؛ لأنها تخلت عن أسلافهم، أو عن «تقدُّميتها»، بعدما كان لهم دورٌ أكبر نسبيّاً في الترويج لها، وهو دورٌ ارتبط أساساً بحاجة نظام يوليو السياسية في الستينيات إلى تكثيف الديباجات الاشتراكية لتسويغ حركة التأميم الجذرية التي قام بها، ولم يرتبط بالدعوة الحرة للتقدمية والاشتراكية وبناء قاعدة جماهيرية لها، واستبدلهم بالشيخ الشعراوي ومصطفى محمود وأضرابهما.
وذلك لسبب بسيط للغاية، وهو أن «الإسلام» كان مكوناً أساسيّاً من مكونات شرعية نظام يوليو، بل شرعية الدول الإسلامية الحديثة بعامة، لكن كل ما حدث هو أن محاولات التوفيق/التلفيق بين «الإسلام» و «الاشتراكية» التي حدثت في الستينيات ثبت فشلها نظريّاً وعمليّاً فيما تلا ذلك من عقود، وتخلت عنها -لأسباب مختلفة- دولة يوليو والإسلاميون على حدٍّ سواء.
وقد وجد بعض المنتمين إلى الإسلام بعد ذلك، سواء كانوا «إسلاميين» بالتعريف أم لا، الفرصة سانحة للعودة بالإسلام إلى نسخة ما قبل التسييس المبالَغ فيه والذي تم في الستينيات لحساب دولة يوليو نفسها. وفي الوقت نفسه وجد إسلاميون آخرون أن مسار التسييس الذي انتُهج في الستينيات كان مساراً تلفيقيّاً فشل لتلفيقيته وليس لعلمانيته وسلطويته، وهو ما حدا بهم -ضمن أسباب أخرى- إلى تولية وجوههم شطر العنف بعد ذلك؛ بحثاً عن اليوتوبيا الإسلامية المفقودة.
وفي الحالتين بقي أسلاف اليسار الليبرالي الحالي في مصر بعيدين عن المشهد وغير قادرين على التأثير فيه، مع استدعائهم من جانب السلطة، بين الحين والآخر، عند الحاجة إليهم قبل إعادتهم إلى الأدراج مرة أخرى. وفي هذه الحالة بقِي أذناب اليسار يبحثون لأنفسهم عن دور تصوروا -للسخرية- أنهم وجدوه في 30 يونيو/حزيران 2013.