إذا قمت بعمل استفتاء صغير عن الشخصية الأكثر تورطاً في مخططات ومؤامرات تتعلق بالتدخل في شؤون دول عربية في العقد الأخير فسيحصل القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح محمد دحلان على أعلى الأصوات، فالرجل لم يترك بلداً عربياً إلا وترك فيه بصمة تخريبية تتماشى مع مصالح الإمارات التي يعمل دحلان مستشاراً لولي عهدها الأمير محمد بن زايد.
ظهور دحلان الأخير مع الإعلامي المصري عمرو أديب في فضائية سعودية أثار تساؤلات كثيرة عن أهداف هذا الظهور والذي لم يكن أبداً كأي ظهور إعلامي سابق فدحلان جاء خصيصاً للهجوم على تركيا كما بدا طوال الحلقة، فسب أردوغان واتهمه بالفساد والسعي وراء أحلام مدمرة ورد على وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو واتهم تركيا بأنها سرقت ذهب ليبيا وقامت بدعم التنظيمات الإرهابية في سوريا وقدمت الدعم لداعش وأبو بكر البغدادي قبل مقتله وبأن أردوغان قد سيطر على مصر في غفلة من شعبها في إشارة إلى فترة حكم الرئيس المصري الراحل محمد مرسي ولم يبق له في هذه الحلقة إلا أن يتهم تركيا بالتورط في ثقب الأوزون.
اعتقل الأمن التركي، في نيسان/أبريل الماضي، فلسطينيين على صلة بمحمد دحلان الذي يقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأشارت التحقيقات التي بدأت عقب تعقّب اتصالات دحلان مع أفراد يقيمون داخل تركيا، طلب منهما التوجه إلى إسطنبول والعمل في التجسس بتوجيهات منه، ولذلك التوتر بين دحلان والنظام التركي له جذور قضائية وسياسية وجاء هجوم دحلان على تركيا هذه المرة تحت غطاء رد اعتباره بعد هجوم وزير الخارجية التركي ضده في لقائه على شبكة الجزيرة واتهامه بالتورط في أمور تضر بالأمن القومي التركي، والإشارة هنا وفقاً لتقارير صحفية تركية وعربية إلى تورط دحلان في تمويل جماعة الخدمة التي يتزعمها فتح الله غولن في محاولة الانقلاب الفاشل ضد أردوغان يوليو/تموز ٢٠١٦، فجاء دحلان ليفتح ملفات قديمة تتعلق بسفينة مرمرة والتعويضات التي يدعي أن تركيا حصلت عليها مقابل إغلاق القضية وليرتدي ثوب المدافع عن القضية الفلسطينية والتي لو سأل هو أي مدافع عنها عن رأيه في محمد دحلان لأسمعه ما لا يحب أن يسمع ولكن اللافت للنظر أن دحلان ظهر هذه المرة وكأنه ضابط مخابرات ليتحدث عن ملفات ومستندات يمتلكها تتعلق بسرقة تركية للذهب من البنك المركزي الليبي وملفات أخرى ظهر بها عمرو أديب بشكل مفاجئ ليتحدث عن حصول بعض المعارضين المصريين على الجنسية التركية وينشر صوراً لجوازات سفرهم التركية وأوراق أخرى تظهر طلبات التقدم بالجنسية وهنا السؤال من أين حصل دحلان على وثائق ومستندات كهذه؟
الإمارات نعم تتدخل في ليبيا منذ سقوط القذافي ودعمت قبائل ليبية دعماً عسكرياً ولوجستياً ودعمها لخليفة حفتر أمر معلن منذ سنوات وحصولها على وثائق تتعلق بذهب البنك المركزي الليبي أمر لا يدعو للاستغراب ولكن الأمر المقلق حقيقة أن تصل وثائق كهذه إلى يد مثل يد دحلان، فهل تكون أبو ظبي قد أعطت وثائق كهذه لرجلها محمد دحلان؟ ولماذا؟ ولماذا يظهر دحلان ليتحدث عن هذا الأمر في قناة سعودية وليست إماراتية؟ ولماذا يظهر مع إعلامي مصري مقرب من الأجهزة الأمنية في مصر مثل عمرو أديب؟ وما هي الرسائل التي أرادت الإمارات توجيهها لتركيا من حلقة كهذه؟
الأمر الآخر الذي أحدث ضجة كبيرة وهي الملفات التي أذاعها عمرو أديب في حضور دحلان عن المعارضين المصريين في إسطنبول التركية، الجميع يعلم أن هناك تحركاً لدى الدولة التركية منذ عامين تقريباً لمنح الجنسية لمعارضين مصريين محكومين ومعرضة حياتهم للخطر وتتعنت السلطات المصرية في تجديد أو استخراج جوازات سفر لهم ولذلك تم تشكيل قوائم من أسماء لسياسيين وإعلاميين ونشطاء وحقوقيين مصريين وتقديمها لدائرة النفوس والهجرة في تركيا من أجل المضي قدماً في استخراج جوازات سفر جديدة لهم بأسماء تركية، كل هذه الإجراءات تجري وتتم بين هؤلاء المعارضين وبين الحكومة التركية مباشرة ودون وجود طرف ثالث فكيف وصلت هذه الأوراق إلى عمرو أديب؟ ولماذا يتم نشرها في وجود محمد دحلان؟ وهل دحلان هو مصدر هذه الوثائق المسربة؟ ولو افترضنا أن دحلان هو من أمد عمرو أديب بتلك الأوراق فمن أين حصل عليها؟ الاحتمالات القائمة كلها أسوأ من بعضها فإما أن دحلان له أذرع داخل الحكومة التركية واستطاع الحصول على هذه الأوراق منهم وهذا احتمال ضعيف لأن تركيا تقدمت بطلب للإنتربول لتسليم دحلان فمن الصعب أن يخترقها رجل كهذا، والاحتمال الثاني أن دحلان حصل على هذه الأوراق إما من اختراق أمني مصري للمعارضة المصرية في تركيا أو حصل عليها بشكل مباشر باختراق للمعارضة المصرية وكلا الاحتمالين أسوأ من بعضهما البعض.
عودة محمد دحلان الآن تحديداً فيما يتعلق بمصر وبعيداً عن سجاله مع تركيا، حاول هو وساعده عمرو أديب أن يظهر بمظهر المدافع عن الأمن القومي المصري وفضح معارضيه والهجوم على جماعة الإخوان المسلمين ولكن يبدو أن المدافع الجديد عن نظام السيسي نسي أنه بشحمه ولحمه لعب دوراً رئيسياً في إقناع وتوريط عبدالفتاح السيسي بالتوقيع على اتفاق المبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان والمتعلق بأزمة سد النهضة في ٢٠١٥، حيث نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية تقريراً في ٢٠١٥ ذكرت فيه أن دحلان هو صاحب الدور الرئيسي بإيعاز إماراتي لإقناع السيسي ثم توريطه في التوقيع على اتفاق المبادئ والذي تنازلت فيه مصر بشكل رسمي عن حقها في معارضة إثيوبيا في بناء سد النهضة، النيوزويك نشرت صوراً لدحلان برفقة رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميريام ديسالين وصوراً أخرى في أبو ظبي برفقة وزير الخارجية الإثيوبي السابق وصورة ثالثة لدحلان جمعته بمستشار رئيس الوزراء الإثيوبي واللواء خالد فوزي مدير المخابرات العامة المصري السابق في إشارة إلى دور دحلان الكبير في إتمام هذا الاتفاق الكارثي على مصر.
محمد دحلان المصري لا يختلف عن محمد دحلان الإماراتي ولا يبتعد كثيراً عن دحلان الليبي ولا يتعارض مع دحلان اليمني فكلهم يسقى من مسقاة واحدة اسمها محمد دحلان الفلسطيني المتهم بالتورط في قضايا فساد مالي والتآمر ضد السلطة الفلسطينية والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي وعدو الثورات العربية.
