كشفت حالة الترقب المشوب بالأمل التي أعقبت الإعلان عن القمة الإسلامية الخماسية في كوالالمبور، ليس فقط عن ظمأ لأي من مظاهر التكتل والتعاون بين الدول الإسلامية خارج الهياكل والمؤسسات التقليدية، لكن -وهذا هو الأهم- عن افتقاد العالم الإسلامي لقيادة تعبّر عنه وتُمثّله.
من حيث الشكل، ستناقش القمة المنعقدة في الفترة من 18 إلى 21 ديسمبر/كانون الأول، في مركز كوالالمبور للمؤتمرات، التحديات التي تواجه المسلمين، موزَّعة على سبعة محاور: التنمية والسيادة، والنزاهة والحُكم الجيد، والثقافة والهوية، والعدالة والحرية، والسلام والأمن والدفاع، والتجارة والاستثمار، بالإضافة إلى الإنترنت والحكومة التقنية. تهدف القمة، التي اعتبرها رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد “بداية صغيرة”، إلى إحياء الحضارة الإسلامية، ودراسة وإيجاد حلول جديدة وقابلة للتنفيذ للمشكلات التي ضربت العالم الإسلامي، للإسهام في تحسين وضع المسلمين والدول المسلمة. وبحسب الوزير الماليزي داتوك سيري مجاهد يوسف راوا، المسؤول عن الشؤون الدينية، ستكون هذه القمة منصة للمسلمين ليتفكَّروا في أحوالهم ويتغلَّبوا على نقاط ضعفهم.
منذ انطلاق منتدى كوالالمبور عام 2014 وهو يعمل على بناء شبكة علاقات بين قادة العالم الإسلامي والمثقفين والباحثين والمفكرين والخبراء. ليس الجديد هذا العام، الحضور الواسع، المتوقع أن يبلغ 450 شخصاً؛ وليس الجديد أن منتدى كوالالمبور سيتغير اسمه اعتباراً من يناير/كانون الثاني 2020، إلى “مؤسسة بيردانا للحوار الحضاري”. الجديد هو عودة “مهاتير محمد” لقيادة بلاده، ووجود قادة تركيا وإندونيسيا وباكستان وقطر إلى جواره.
· ما وراء المشهد الخماسي
يبدو أن ثمة خيوطاً ثلاثة ناظمة أدت إلى هذا المشهد المنتظر، تتقاطع فيها بنسب متفاوتةٍ دوافع وحسابات هذه القوى الخمس:
الأول: البحث الحثيث عن تعزيز النفوذ الإقليمي، وربما الدولي، وعدم القبول بالاستمرار كلاعب ثانوي على هامش صراع القوى الكبرى. ينطبق هذا في صورة واضحة تماماً على تركيا، التي تحفر في الصخر كي ترسم لدورها الخارجي، إقليمياً ودولياً، ملامح مختلفة. وتبذل في سبيل ذلك كثيراً من المخاطر والمناورة والحسابات المعقدة، التي تنجح في بعض الأحيان، وتتعثر في بعضها، لكن يكتنفها الغموض والشك دائماً حول إمكانية تحدّي الأوزان الدولية المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. قد لا تكون هذه النزعة متاوفرة لدى دولة أصغر مثل قطر، لكنها هي أيضاً تسعى لتعزيز أمنها الداخلي وميزانها الإقليمي في مواجهة جيران يتمتعون بميزة جغرافية لا تتوافر لقطر، ويضمرون لها عداءً لم يعد خافياً. فيما يتعلق بماليزيا وإندونيسيا وباكستان، لا تختلف الحسابات كثيراً؛ حيث تواجه جميعها تحديات جيوسياسية ترتبط بالصراع الواسع بين القوى الكبرى الصين والولايات المتحدة وروسيا، ومصالحها التي تمس هذه الدول، التي تجد نفسها، حتى أمام قوة إقليمية مثل الهند، في حالة انكشاف تقيد خياراتها السياسية والاقتصادية وأحياناً الأخلاقية. التحولات الدولية والتقلبات الإقليمية تشجع هذه القوى الصاعدة على التخطيط لتحالفات جديدة، وليس فقط الارتهان لأجندات اللاعبين الكبار.
الثاني: هو نهاية الرهان على فاعلية المنظومات الإقليمية والإسلامية القائمة، سواء كانت الجامعة العربية، أو مجلس التعاون لدول الخليج أو منظمة المؤتمر الإسلامي. أظهرت هذه التكتلات عجزاً فادحاً إزاء التهديدات التي تحيق بأعضائها، فلم تمنع انهيار دول عربية أو تحميها من التدخلات الخارجية أو تحفظ دماء شعوبها من توحُّش أنظمتها؛ كما لم تحرك ساكناً إزاء الاستباحة الإسرائيلية للمقدسات والعصف الأمريكي بالقضية الفلسطينية برمتها.
لم يوفر مجلس التعاون حماية لسيادة قطر بقدر ما بدا في مرحلة ما، كأنه التهديد الأول لهذه السيادة. أما منظمة التعاون الإسلامي التي أُسست لهدف واحد، هو حماية الأقصى والمقدسات الإسلامية في المدينة المقدسة، فقد أظهرت قصوراً مروعاً إزاء تهديد غير مسبوق للحرم القدسي والمدينة بصورة عامة، تصاعد خلال العامين الماضيين، ممثلاً في توسُّع هائل للمشروعات الاستيطانية والإجراءات الأمريكية. في قمة إسطنبول الإسلامية الطارئة، 13 ديسمبر/كانون الأول 2017، للرد على قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس، شارك 17 رئيس دولة إسلامية -ليس بينها مصر، والسعودية، والجزائر، والمغرب، والعراق، والإمارات، والبحرين- حيث تنوعت مشاركتها بين وزراء الخارجية أو نوابهم (في حالة السعودية) أو رئيس البرلمان (في حالة الجزائر)، في قمة إسطنبول الإسلامية الطارئة، 18 مايو/أيار 2018، عقب تنفيذ واشنطن قرار الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وما تبع ذلك من مجزرة بحق المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة، استشهد فيها 62 فلسطينياً وجرح 3188 آخرين، فلم يحضر فيها سوى 9 رؤساء دول فقط.
الصراعات الجانبية والحسابات الفردية والتنافس الإقليمي، كلها باتت مقدَّمة على ضرورات العمل الجماعي والقضايا الإسلامية ذات الأولوية. ولم يعد مفاجئاً أن تتخلف دول مهمة مثل مصر والسعودية عن دورها المنتظر، فقط لأن القمة “تركية”.
الثالث: بات صوت المسلمين أكثر انخفاضاً رغم تفاقم المعاناة والتهديدات التي تحيق بقضاياهم، وأحياناً وجودهم ذاته في بعض المناطق بالعالم. لم يكن الرئيس التركي مبالِغاً حين صرح، في كلمة ألقاها باجتماع وزراء الشؤون الاجتماعية لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول التركية، 9 ديسمبر/كانون الأول الجاري، قائلاً: “نشعر في كثير من الأحيان، بأننا نقف وحدنا حين نعترض على الاضطهاد الممارَس ضد فلسطين والقدس”. بخلاف الصمت إزاء قضية فلسطين والقدس، ثمة شعور عام بالمهانة الإسلامية إزاء قضايا مثل التطهير العرقي ضد مسلمي الروهينغا، والهول الصيني الذي يعانيه مسلمي الإويغور. لم تكن حقائق التوحش القومي والعرقي والطائفي ضد المسلمين أوضح مما هي عليه الآن، في ظل إتاحة الصورة والمعلومة دون قدرة على دفعهما، لكنَّ هذا لم يجعل المسلمين على مستوى الدول أكثر تضامناً أو أكثر اهتماماً بالدفاع عن أبسط حقوق المسلمين حول العالم.
إضافة إلى ذلك، فإن الإحساس المتزايد بتفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب، وتنامي نفوذ وتأثير التيارات الشعبوية واليمينة المتطرفة، والمد القومي المتطرف بآسيا، خصوصاً في الصين والهند. وفي المقابل وجدنا دولاً إسلامية تمول تيارات يمينية متطرفة بدول أوروبية، وقادة مسلمين يروجون لدعاوى رموز الإسلاموفوبيا نفسها في الغرب. كل هذا دفع قادة الدول الخمس، أو بعضهم، إلى الإيمان بضرورة التحرك المشترك لمواجهة ذلك، وهو ما يمكن تفهمه من الإعلان عن مشروع فضائية دولية ومرصد إسلامي، لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، تقف وراءه تركيا وباكستان وماليزيا.
الخلاصة إذن، أن ثمة عالَماً إسلامياً مهدَّداً، يعاني جمهوره تهديدات مُلحّة، في حين يفتقد قيادة واضحة تعمل من أجل حمايته ودرء التهديدات التي تحيق به. تمتلك هذه المنصة الخماسية بعض المؤهلات لشغل مساحة من هذا الفراغ القيادي، لا شك؛ لكنها أيضاً إزاء تحديات ليست هيّنة.
· تحديات.. الهوة بين الواقع والمأمول عميقة
ثمة تحدٍّ شكلي لهذا التكتل، “المفترض” كونه ما زال في مرحلة بحث التعاون، وهو مدى شرعية تمثيله للعالم الإسلامي. صحيح أنه يعبر عددياً عن قوة بشريه هائلة، لكن ليس من السهل ادِّعاء أنه بات مُمثِّلاً لا غبار عليه للعالم الإسلامي. من الناحية السياسية، تبدو الأطراف الأهم، سياسياً واقتصادياً ومعنوياً، بعيدة تماماً في الفترة الراهنة عن التعاطي الإيجابي مع هذا المسعى، خاصةً مصر والسعودية لأسباب معروفة، وهو ما سيضع ضغوطاً على دول أخرى. كذلك، ستكون هناك ضغوط دولية أخرى تحول دون التعاطي الإيجابي مع هذا المسعى؛ على خلفية موقفه الحاد تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي. نجاح هذا التحالف (قيد التشكُّل) في لعب دور مؤثر في الدفاع عن قضايا الإسلام، والتصدي لموجات الإسلاموفوبيا بالشرق والغرب بما يملك من موارد ونفوذ وأدوار، وقيادته لمشروعات فاعلة- سيكون هو المفتاح للتغلب على إحجام دول مهمة عن الالتحاق به، وسيتحقق له على صعيد ملء الفراغ القيادي بحكم الإنجاز والفاعلية، ما ينقصه الآن نتيجة محدودية تمثيله على صعيد الدول العربية والإسلامية.
لكن التحديات لا تقتصر على الجوانب الشكلية. من ناحية الوزن النسبي الاقتصادي والعسكري لهذه القوى الخمس، ما زال ينقصها الكثير كي تؤثر مجتمعةً في السياسات الإقليمية، فضلاً عن السياسة الدولية. من الضروري هنا أن نُفرِّق بين القدرة على العمل المشترك، وتبنِّي جهود في مستويات إعلامية وسياسية معيَّنة، والقدرة على تغيير أجندة السياسة الدولية. تمتلك هذه الدول الخمس مجتمعةً نحو 2.667 تريليون دولار كناتج محلي إجمالي، وهو تقريباً يماثل الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة (2.825 تريليون دولار)، أو فرنسا (2.778 تريليون دولار) أو الهند (2.726 تريليون دولار). أما من ناحية الإنفاق العسكري، فهي مجتمعة تنفق أقل من نصف ميزانية منافسين إقليميين مثل الهند، أو المملكة العربية السعودية.
من جهة أخرى، يمثل هيكل العلاقات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية الراهن تحدياً وقيداً كبيراً على تطوُّر هذا “التعاون” إلى منصة تحالف استراتيجي حقيقي، كما أنه يحدُّ من قدرتها على مواجهة إجراءات القوى الكبرى ضد المسلمين، كما هو الحال فيما يتعلق بالصين. على سبيل المثال، فإن هذه الدول تعتمد في علاقاتها الاقتصادية على القوى الاقتصادية التقليدية التي تمثل لها الشركاء التجاريين الأكبر، في حين تمثل علاقاتها الاقتصادية البينية هامشاً ضئيلاً، لا يعكس حتى الآن أفقاً قريباً كي تشكل كتلة اقتصادية أكثر استقلالاً. على سبيل المثال، فإن تركيا تعتمد على دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كشركاء تجاريين، فتأتي ألمانيا كشريك تجاري أول لتركيا بإجمالي 40 مليار دولار، ثم الولايات المتحدة 16 مليار دولار، وبريطانيا 16 مليار دولار، وفرنسا 14 مليار دولار. في حين تمثل الشراكة التجارية التركية مع الدول الأربع مجتمعةً 8.4 مليار دولار (3.5 مليار مع ماليزيا– 2.4 مليار دولار مع قطر- 1.8 مليار مع إندونيسيا– 700 مليون دولار مع باكستان).
أما ماليزيا صاحبة المبادرة والداعية إليها، فتمثل لها الصين الشريك التجاري الأول بإجمالي 77.7 مليار دولار، تليها سنغافورة بنحو 60 مليار دولار، والولايات المتحدة بنحو 38.6 مليار دولار، ثم اليابان بـ32.89 مليار دولار. وتظهر إندونيسيا في المرتبة التاسعة بين شركائها التجاريين، بإجمالي 17.28 مليار دولار. أما تركيا وباكستان وقطر، فلا تمتلك شراكة تجارية مع ماليزيا إلا بإجمالي 3.5 مليار دولار، و3 مليارات دولار، و904 ملايين دولار على الترتيب. في العلاقات الأمنية والعسكرية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، ربما باستثناء التطور الأخير في التعاون العسكري التركي-القطري، وهو لا ينفي حقيقة أن الاعتماد القطري على التعاون العسكري والأمني الأمريكي ما زال الأكبر.
أي إن هذه الدول ما زالت بعيدة عن تحقيق أي نوع من التحالفات الحقيقية، ولا يوجد حتى الآن ما يرجح أن تتطور منصة تعاونها الراهنة إلى تكتل أو تحالف بالمعنى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري. لذا من المهم للرأي العام الإسلامي ألا يتوقع، أو يطالب، هذه الدول بأكثر مما يطمح إليه قادتها، الذين يدركون تماماً حدود ما يمكنهم إنجازه. يكفي أن تسير هذه المنصة في الطريق الصحيح مهما بدا طويلاً، وأن تضع قضايا المسلمين قيد الاهتمام الذي تستحقه من المسلمين أنفسهم قبل غيرهم، وأن تقدّم نموذجاً أولياً، (Perdana، كما سيطلَق على المنتدى باللغة الماليزية)، للعمل الفاعل والجاد، الهادف إلى وضع الأمة المسلمة في موقعها الحضاري الملائم.
