نعم لقد فشلت قمة كوالالمبور فشلاً ذريعاً؟ فشلت قبل أن تبدأ؟ ولكن هذا الفشل كان في عقول وقلوب وأوهام وكتابات وخزعبلات الجيوش الإلكترونية للدول التي أنفقت الأموال وحشدت الحشود ومارست الضغوط حتى تفشلها، أما على أرض الواقع فقد كان الأمر مختلفاً إلى حد كبير، إن تقييم نجاح أي عمل أو فشله مرهون بأهدافه؟ إذا تحققت الأهداف فهو نجاح وإن لم تتحقق فإنه فشل، وحتى نعرف حقاً هل نجحت قمة كوالا لامبور أم فشلت لابد أن نعرف أولاً ما هي أهدافها؟
هل أهدافها أن يجتمع خمسة أو ستة أو عشرة أو عشرين من الزعماء كما يحدث منذ عشرات السنين في العالم العربي والإسلامي فيأخذوا الصور ويتبادلوا الحديث ومآدب الطعام ثم ينفضوا بينما يكون بعضهم يتآمر على بعض أو يمكر ببعض أم أهدافها أن تحقق شيئاً أكبر من ذلك بكثير دون اعتبار بعدد من حضر أو تغيب لأن أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية والإرادة النافذة دائماً يكونون قلة من القادة والزعماء لكنهم دائماً يحققون الغلبة والنصر في النهاية فالاعتبار كله بمن يضع أهدافاً ويؤمن بهذه الأهداف ويملك القدرة ويحدوه الأمل والرغبة والإصرار والعزيمة على تحقيقها لذلك جاءت أهمية قمة كوالالمبور من جانبين الأول هم الزعماء الذين دعوا لها والثاني هو الأهداف التي أعلنوها؟
أما الزعماء الأربعة الذين دعوا لها والتزموا بحضورها من أول لحظة كانوا الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا والرئيس التركي رجب الطيب أردوغان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني ورئيس وزراء باكستان عمران خان كما تعهد الرئيس الإندونيسي لرئيس وزراء ماليزيا بالحضور، فأصبحت قمة خماسية، ما إن انتشر الخبر حتى سعت بعض الدول لإفشالها خوفاً من نجاحها وتأثيرها وكانت السعودية كما نشرت كل وسائل الأعلام على رأسها اعتقاداً منها أنها تهدف لتهميشها وسحب البساط من تحت أقدام منظمة التعاون الإسلامي التي يقع مقرها بها، رغم تأكيد من دعوا للقمة أن كل من يتوافق مع أهدافها يمكنه الانضمام إليها وأنها لا تهدف لسحب البساط من تحت أقدام أحد أو أن تكون بديلاً لأي منظمة، أما أهداف القمة فقد أعلن عنها الدكتور مهاتير محمد أكثر من مرة ومن خلال كلمته في القمة و يمكن إيجاز أهدافها في النقاط التالية:
أولاً: إنها قمة للبحث في أحوال المسلمين وليس قضايا الدين الإسلامي.
ثانياً: البحث عن حلول لوقف الحروب وعمليات التهجير والقتل والاستبداد القائمة في كثير من دول العالم الإسلامي بعدما أصبح المسلمون أكبر ضحايا الحروب والاستبداد في العالم
ثالثاً: التعاون بين الدول الإسلامية في مجال التكنولوجيا والصناعات العسكرية والتجارة البينية حيث أن كلاً من ماليزيا وتركيا وباكستان تحظى بتقدم في هذا الجانب.
رابعاً: صياغة آليات لمواجهة إسرائيل في جرائمها بحق الشعب الفلسطيني
أما أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني فقد أضاف في كلمته هدفين رئيسيين هما:
خامساً: “التنمية ركن أساسي من أركان الاستقلال والسيادة الوطنية” والتنمية هنا تعني بناء الإنسان أولاً حتى يبني وطنه والسيادة الوطنية تعني الاستقلال في اتخاذ القرار.
سادساً: إيجاد آليات لمواجهة الحرب على المسلمين في الغرب وتقديم الصورة الحقيقية للإسلام بعدما أصبح التحريض على الإسلام والمسلمين أداة لدى الساسة الغربيين لجلب أصوات الناخبين.
كما أضاف الرئيس أردوغان ثلاثة أهداف أخرى للقمة، هي:
سابعاً: القضاء على الفقر في العالم الإسلامي من خلال جمع الزكاة وتوزيعها بشكل عادل فلو جمعت زكاة المسلمين ووزعت بشكل عادل لما بقي فقير في الأمة وقد قدر اتحاد علماء المسلمين زكاة الأمة بحوالي ٤٠٠ مليار دولار سنوياً.
ثامناً: العمل من أجل نظام عالمي جديد لا يمنح الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الحق في في التحكم في ١,٧ مليار مسلم يشكلون ربع سكان العالم وكما قال أردوغان “العالم ليس خمسة فقط “
تاسعاً: البحث عن موطئ قدم ومكان في خريطة العالم للمسلمين في ظل التغيرات العالمية التي تجري في التحالفات والتكتلات السياسية.
أما الهدف العاشر وغير المعلن هو إيجاد قيادة سياسية حقيقية للمسلمين فمنذ أن سقطت الخلاقة قبل حوالي مائة عام وهم أيتام لا قيادة لهم ولا زعامة ولا مهابة ولا سيادة.
هذه هي أهم الأهداف التي أعلنت وهي أهداف كلها تدعو لخير الأمة ونهضتها ووقف الحروب بين أبنائها وحفظ دماء المسلمين وأرواحهم والعمل على نهضتهم وعزتهم واستقلالهم، وهو أمل يتمناه كل المسلمين في أنحاء العالم، لكن المفاجأة أن تجد هذه الأهداف وهذه القمة من يفشلها وقد اعتقدوا أن منع رئيس أو رئيس حكومة يعني إفشالها وهذا تصور مغلوط وفهم معيب وسلوك صبياني في علم السياسة وجهل بالتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والعمق الاستراتيجي للدول، وما يؤكد نجاح القمة هو التغطية الهائلة لها حيث زادتها العداوة اهتماماً وأعطتها بعداً وتغطية عالمية كما أن غياب إندونيسيا وباكستان أثار التساؤلات والنقاشات التي ذهبت في النهاية إلى معرفة الدول التي تعيق تقدم المسلمين ووحدتهم كذلك الإعلان عن الاتفاقيات الخمس التي وقعت فيها بين الدول الثلاث التي حضرت تركيا وماليزيا وقطر في مجالات هامة هي الأمن الغذائي والتكنولوجيا وصناعة السلاح.
ثانياً الدول التي غابت وهي إندونيسيا وباكستان تربطها علاقات استراتيجية وعسكرية وتجارية مع قطر وماليزيا وتركيا وهناك روابط خاصة بين ماليزيا وإندونيسيا فهما عمق واحد لبعضهما في اللغة والسكان والدين والجغرافيا والتاريخ كما أن باكستان وتركيا تتمتعان بعلاقات عسكرية وتكنولوجية أكبر من غياب عمران خان أو حضوره وقد التقى عمران خان مع أردوغان في جنيف قبل القمة بيوم واحد وكشف له عمران خان الضغوط التي تعرض لها وقد تفهم القادة الثلاثة هذه الأمور، وقد ذكرنا جانباً منها في مقال أمس إن حضور الزعماء للقمم بروتوكولي والاتفاقات والتعاون تبقى بين اللجان والوفود التنفيذية.
وكما قال وزير الاقتصاد الماليزي “لقد غابت باكستان وإندونيسيا لكن التعاون والاتفاقات والوفود والعلاقات بيننا وبينهم تبرم كل يوم ولم ولن تنقطع”، وما تم في القمة هو الخطوة الأولى في طريق طويل لجمع شمل الأمة وتوحيد كلمتها ووقف نزيف دماء أبنائها وقد بدأ الاتحاد الأوروبي بثلاث دول لديها عزيمة ورغبة وكانت في المجال التجاري فقط ثم تطورت بعد ذلك وصارت إلى ما هي عليه الآن، لذلك النتائج كلها تؤكد أنها قمة ناجحة بكل المعايير والفشل فقط هو فشل من حاولوا إفشالها ولكن ما هي التحديات التي تقف أمام هذه القمة حتى تصبح قمة تاريخية مميزة للزعماء الثلاثة، وليست قمة عادية ينساها الناس بعد قليل؟ هذا في المقال القادم.