هل يسمح ضباع العالم للدول الإسلامية أن تشكل تحالفاً دولياً لمواجهتهم والنهوض بالعالم الإسلامي؟

لا شك أن العالمين العربي والإسلامي بأمس الحاجة لقيادة جديدة تنتشلهما من قاع الضياع والتخلف والتفكك، وتنتقل بهما إلى عالم التكتلات التي باتت تحكم العالم، ولا شك أن مبادرة رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد والرئيس التركي لعقد قمة إسلامية في كوالالمبور خطوة طال انتظارها، لكن هناك الكثير من الأسئلة التي تحيط بهذه القمة التاريخية.

 هل يسمح ضباع العالم للدول الإسلامية أن تشكل تحالفاً دولياً لمواجهة القوى العظمى والنهوض بالعالم الإسلامي؟ هل القوى الإسلامية نفسها على قلب رجل واحد لدعم ذلك التحالف؟ كيف يمكن لهذه القمة أن تنجح بمشاركة إيران التي تتفاخر باحتلال أربع عواصم عربية؟ ما هو مصير هذا التحالف إذا نهض بعد رحيل مهاتير محمد في ماليزيا وأردوغان في تركيا؟ 

ولعل السؤال الأهم: هل يمكن للتجمع الإسلامي الجديد أن ينهض ويستمر من دون السعودية التي تنظر بعدوانية إلى أي تحالف إسلامي لا يخضع لتوجهاتها بشكل كامل؟ الجواب نعم، فهذه المعضلة على خطورتها ستُحل لصالح قوى إسلامية صاعدة جديدة في عالم ما بعد الربيع العربي، إذ إن غالبية الدول العربية باتت تنشغل بإرهاصات المرحلة التي تبدو بأنها تؤسس لواقع جديد قد يمتد لمئة عام قادمة، ولكن في الحقيقة نحن أمام صراع خفي على المستوى العربي والإسلامي، لم يتوقف عنده الخبراء ولا المحللون بالشكل المطلوب، فهذا المعترك الضخم الذي يجري بين السعودية وتركيا، هو التحول المفصلي والمحدد الجوهري لمستقبل المنطقة برمتها، والممتد على طول وعرض العالم الإسلامي.

فتركيا اليوم، هي القوة العائدة من بعيد، والتي تحمل في جعبتها مشاريع محلية، واقتصادية وإسلامية وصولاً للعسكرية، تسعى من خلالها لريادة العالمين العربي والإسلامي، مستغلة لذلك، بدء انهيار السيطرة السعودية على ذات المشاريع، وابتعادها عن أوجاع المسلمين والعرب، إضافة إلى انهيار ثقة الشارع العربي بأي دور فعال للرياض في حل أزماتهم ومناصراتهم.

وإذا ما عدنا إلى ساحات الربيع العربي، فسنجد الكثير من الأمثلة الواقعية والممتدة حتى يومنا هذا عن حرب المشاريع بين الدولتين، فالسعودية نراها تحارب أي مشروع قد يكون حليفاً للأتراك في المستقبل، وتحاول اغتاليه قبل ولادته، وقبل أن تظفر أنقرة بورقة قوة جديدة.

فالمملكة العربية السعودية، اعتمدت على سلاحين مهمين لمواجهة خطر التوسع التركي في العالمين العربي والإسلامي، أولهما هو المراهنة على تأييد الدعم الأمريكي لهم مقابل إغداقهم بالمال الوفير لديها، والآخر هو تثبيت الأنظمة الدكتاتورية، حتى لا تولد أنظمة بديلة تتجه نحو الأتراك وتلفظ دور الرياض، ففي سوريا على سبيل المثال، السعودية دعمت الثورة السورية في بادئ الأمر، وعندما رأت أن النظام القادم فيها سيكون مقرباً من الأتراك، قطعت أوصال المعارضة السورية وحاربتهم بكل قوة، وساهمت بشكل كبير في تثبيت نظام حكم بشار الأسد، ولم تكتف ها هنا فحسب، بل ذهبت لدعم ميليشيات انفصالية في الشمال الشرقي من سوريا، حتى تقف بوجه التمدد التركي، والذي يفضله السوريون عشرات المرات عنها وعن النظام الحاكم اليوم، ومن ساواهم، وفي العراق، فضلت السعودية تسليم إدارته للإيرانيين وجره إلى حرب أهلية طاحنة مقابل أن لا يأتي نظام جديد مقرب من تركيا، وفي ليبيا، أوجدت حليفاً مضاداً لحكومة الوفاق الشرعية، دعمته والإمارات بكافة الأشكال، حيث رأت من هذه الخطوة، أن تخريب ليبيا، أرحم بكثير عليها من استقرارها لصالح نظام تسانده أنقرة، ولم تكتف عند هذا الحد، بل وجلبت لهم المرتزقة الروس، كل ذلك ليست كرهاً بالوفاق الليبية فحسب، بل خوفاً من تمدد الأتراك نحو الشعوب العربية التي ترحب بدورها بالوجود التركي، بعدما فقدت الثقة المطلقة بالسعودية والإمارات، ولن أحدثكم عن مصر، فأنتم خير من يدرك ماذا فعلت السعودية بمصر، عندما انتخب المصريون نظاماً يخالفها بالتوجهات ويتوافق مع عدوتها اللدودة تركيا.

أما تركيا، فهي اليوم أقرب بكثير إلى الشعوب العربية، من السعودية والإمارات، وإذا ما ذكرتم أي كلمة عن السعودية والإمارات ومن لف لفيفهم عند تلك الشعوب، سترى وجوههم كاظمة.. إن لم نقل شيئاً آخر.

كذلك تتضح جلياً السياسة التركية في المنطقتين العربية والإسلامية، من خلال تعمدها هي الأخرى، ترك الشعوب العربية تفقد ثقتها أولاً بالدور السعودي والإماراتي، حتى تدخل هي من أوسع الأبواب بالورود والأرز، وفي ذات الوقت لا يكل ولا يمل الرئيس التركي “أردوغان” من توجيه الخطابات الدينية والمؤتمرات الداعية لتوحيد كلمة المسلمين، وقمة “كوالالمبور” هي أحدث تلك الجبهات بين تركيا، والسعودية، فالأخيرة لم ترفض المؤتمر لأن تركيا مشاركة فيه بحسب، بل لأنها تدرك تماماً أن مشاركتها فيه، يعني بالمطلق “سحب البساط” من تحت منظمة التعاون الإسلامي التي تديرها بذاتها، وشرطها إجراء القمة تحت رعاية المؤتمر منظمة التعاون يكفي لتوضيح ما تخشاه السعودية من نجاح مثل هذه المؤتمرات.

يمكن القول اليوم، إن هذه المرحلة هي فترة انهيار الدور السعودي، وصعود الدور التركي، وهذا النزاع لا بد سيشتد أكثر فأكثر مع إصرار كل الطرفين على فرض رؤيته بكل الأدوات من السياسية والدينية، وليس انتهاء بالعسكرية، وما شهدته ليبيا يؤكد أن الحرب على ريادة العالم الإسلامي بين السعودية وتركيا بدأت تأخذ منحى فرض بعض المعادلات بالقوة وغيرها.

وفي حال نجاح تركيا بسحب زعامة العالمين الإسلامي والعربي من السعودية، وتبدو الأمور تسير في هذا الاتجاه، ما لم يحدث أي طارئ، ستكون تركيا خلال عقدين من الزمن، حتى أعادت أمجادها السابقة، وربما ستقود العرب والمسلمين لعقود قادمة، ولكن ليس بالصورة التي ترتسم في أذهان البعض من عودة “الخلافة العثمانية”، وإنما بصور جديدة وأساليب حديثة، تكتسب فيها تركيا الشعوب أولاً، وبالتالي تنهي الرهان السعودي على ديكتاتورية الأنظمة الموالية لها، والتي ترى فيها السعودية المخلص الوحيد من أزمة الهبوط الحادة في ريادتها للعالمين العربي والإسلامي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top