لعل تصريحات الجمعة الماضي للرئيس التركي رجب الطيب أردوغان حول قيام السعودية بتهديد رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان بأنه إذا حضر قمة كوالالمبور فسوف تقوم السعودية بسحب ودائعها من البنك المركزي الباكستاني، علاوة على ترحيل أربعة ملايين باكستاني يعملون في السعودية، تؤكد حجم التحديات التي تواجه مستقبل قمة كوالالمبور وما تم إعلانه عن أسباب انعقادها أو في بيانها الختامي أو الاتفاقيات الثلاث عشرة التي وقّعت بين قطر وتركيا وماليزيا، والتي تتعلق كلها بالأمن الغذائي والتكنولوجيا والتصنيع العسكري، فالتحدي الأكبر يأتي من الدول الإسلامية التي تسعى لإفشال هذه المحاولة، والتي أقامت نفسها وصية على أمور المسلمين منذ عقود، بينما هي متورطة الآن في دمائهم في اليمن وليبيا وغيرهما من الدول الأخرى، كما أن كل الحكومات التي عملت وكيلة للدول الغربية في البلاد الإسلامية لن تسمح بالاستقلالية التي تسعى القمة وزعماؤها لتحقيقها في العالم الإسلامي، وهذا أول أهداف القمة أن يصبح للمسلمين زعامة وللدول الإسلامية كيان.
التحدي الثاني هو الإرادة لدى القادة في الاستمرار في هذه المهمة التي تصدوا لها، رغم كثرة الصعاب والعراقيل، أما التحدي الثالث فهو إبقاء جذوة الأمل لدى الأمة مشتعلة، فبمجرد الإعلان عن القمة بزعمائها المعروفين بعمق انتمائهم لأمتهم، اشتعلت جذوة الأمل في الناس، وإبقاء هذه الجذوة على حالها من خلال زخم ما بعد القمة هو تحد كبير، ومع وضع الأهداف لابد من تحديد الأولويات، وربما يكون أولها هو محاولة إطفاء نيران حرب من الحروب المشتعلة في سوريا واليمن وليبيا؛ لتكون بداية لمسيرة إنهاء الحروب، وما يترتب عليها من مآس في بلاد المسلمين، وهي أحد الأسباب الرئيسية التي ينادي بها زعماء القمة، ومن أهم التحديات التي صنعتها الحروب هو الهجرة والنزوح، وليس هناك أصعب من هجرة الإنسان لبلده الذي تربي ونشأ وترعرع فيه، فالعمل على حل مشاكل اللاجئين تحد كبير، وقد وصل حماس بعض المشاركين في القمة أن طالبوا بخطوة أولى بين الدول الثلاث، فيما يتعلق بفتح الأبواب بين مواطني الدول الثلاث، فيما يتعلق بالعمل والأستثمار والتجارة البينية واستخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، أو كما أشار الدكتور مهاتير في ختام القمة إلى التعامل بالدينار الإلكتروني، وكان رئيس الوزراء الباكستاني الذي لم يشارك في القمة عمران خان قد تحدث بحماس عن إنشاء فضائية باللغة الإنجليزية تتعاون فيها دول القمة لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام في الغرب، وهذه خطوة عملية هامة لأيقاف المتطرفين اليمينيين الشعبويين في الغرب الذين انتقدهم أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بأنهم يستخدمون الهجوم على المسلمين وتشويه الإسلام ذريعة من أجل الحصول على أصوات الناخبين.
والتنمية التي كانت عنوان القمة “دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية” تعتبر أحد التحديات الكبرى، لأنها الطريق إلى السيادة والاستقلال في القرار، حسب وصف أمير قطر، وأهم بنود التنمية هو الاستثمار في الإنسان، وأقوى استثمار في الإنسان هو تعليمه، وهذا يعني مزيداً من الحرية في الدول التي تريد صناعة التنمية المستدامة، فلا تنمية دون تعليم أو حرية، على عكس الأنظمة المستبدة التي ترتفع نسبة الأمية بين شعوبها، والتعليم هنا ليس الشهادات الجامعية، وإنما التعليم العالي أو التكنولوجيا المتقدمة التي تؤدي إلى نمو الاقتصاد والصناعة، وتحقق النزاهة والحكم الرشيد والعدالة والحرية والسلام، وهذا يستدعي إقامة صناديق إنمائية ولجان قضائية لفض النزاعات والصراعات، وصياغات عملية تحول نظريات نهضة الأمة إلى مشروعات تطبيقية ومؤسسات فاعلة تلتزم تقديم الحلول العملية التي تقوم على مبادئ الحضارة الإسلامية، حينها ستتحول القمة إلى عنصر جذب للدول الأخرى، فالتحديات التي كانت أمام الدول الثلاث التي شكلت نواة الاتحاد الأوروبي قبل 60 عاماً كانت كبيرة، لكنهم وصلوا في النهاية إلى عملة واحدة وحدود مفتوحة وتعاون في كافة المجالات، فهل يواصل الزعماء المسلمون الثلاثة المسيرة ويواجهون التحديات ويدخلون التاريخ من أوسع أبوابه؟