مصاعب المسلمين.. إلامَ تهدف قمة كوالامبور؟

“العالم الذي نعيش فيه اليوم أشد ترابطاً من قبل؛ فالسرعة الخاطفة للاتصالات وسهولة السفر للخارج وتطور التعليم، وكذلك التوسع في شبكات الأعمال حول العالم ساهمت جميعها في تحويل كل شخص لمواطن عالمي. ويمكن القول إنَّه لا توجد دولة قد تستطيع الصمود في هذه الألفية من دون التعاون الوثيق مع غيرها من الدول.        

وبالرغم من هذه التطورات السريعة العابرة للمناطق والقارات، تظل بعض المشكلات مقتصرة على دول بعينها؛ حيث غالبية السكان يتشاركون صفة محددة؛ هي الديانة الإسلامية. وصحيح أنَّ هناك عبارة شهيرة تقول “الارتباط لا يقتضي السببية”، لكن لا يسعنا إلا التساؤل: لماذا الدول ذات الغالبية المسلمة هي التي تبتلى باستمرار بالحروب الأهلية والإرهاب الدولي والمجاعة والفقر المدقع والأوبئة والنزاعات المسلحة والانقلابات على السلطة، وانتهاكات حقوق الإنسان؟ كيف يمكن أن يكون هذا الدين، منبع الإيمان الوحي والعقيدة الشخصي، الذي يوصف بأنه “رحمة للعالمين”، هو العامل المشترك في جميع المشكلات التي تخيّم على رؤوس أتباعه؟            

وقديماً قال العالم الإسلامي محمد عبده: “رأيت في أوروبا إسلاماً بلا مسلمين، وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام”. قد تبدو هذه العبارة تشاؤمية، لكن يجب أن نفهم شيئين: أولاً، تتوافق القيم الإسلامية في جوهرها مع أي قيم عالمية جيدة يتبعها الناس في جميع أنحاء العالم. وثانياً، لا يكفي أن تقول إنك مسلم لتكون مؤمناً؛ إذ يجب على المرء أن يطابق تعاليم دينه مع سلوكياته وأفعاله. بمعنى آخر، يجب أن تطابق أفعالك أقوالك”.

عندما بدأ منظمو قمة كوالالمبور 2019 ينشرون الفكرة، رأى متشككون أنَّ القمة قد تصبح في النهاية مجرد حدث آخر يركز فيه الناس على  انتقاد الدين أكثر مما ينتقدون أنفسهم. لكن الحقيقة أنَّ قمة كوالالمبور هي عبارة عن منصة للدول ذات الأغلبية المسلمة تتبادل فيها وجهات نظرها والتحديات والخبرات والحلول المحتملة التي يمكن تطبيقها في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وتنوعت المناقشات من الرسالة الإنسانية إلى حوكمة الشركات، ومن الطاقة المتجددة إلى برامج تبادل الشباب. وحتى القضايا التي لم تناقشها الدول الإسلامية من قبل؛ مثل الثورة الصناعية الرابعة والاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا وأهداف التنمية المستدامة أصبحت الآن تحت الأضواء؛ لأن هذه القضايا تهم المجتمع العالمي الإسلامي بقدر ما تهم بقية العالم.

وعلى عكس ما قد يفترضه البعض، لا تعتزم قمة كوالالمبور تقويض أهمية الجهات الحالية، مثل الأمم المتحدة أو منظمة التعاون الإسلامي، بل على العكس، جاءت لتكملها لكن بنهج أكثر تركيزاً على العمل والنتائج. فالدبلوماسية الدولية قد تستغرق سنوات أو حتى عقوداً لحل أي نزاع، وتحت تلك الطبقات العديدة من الكياسة السياسية والملاحظات الدبلوماسية تغرق المسألة محل النظر بدلاً من إيجاد الوسيلة لمعالجة المشكلة الحقيقية. نحن بحاجة إلى نتائج، وعاجلاً غير آجل.

وتتمثل الخطوة الأولى نحو تحقيق هذه الأهداف في استعداد جميع الأطراف للجلوس على نفس الطاولة؛ إذ يجب ألا تُشكِّل النزاعات الدينية والإقليمية عائقاً أمام التعاون بين الدول الإسلامية. فليس من المفيد معرفة أنَّ 60% من الصراعات الدائرة في هذا العالم ترتكز في البلدان الإسلامية. وسواءٌ تتعلق هذه الصراعات بالروهينغا في ميانمار، أو إدانة معسكرات إعادة تأهيل الإيغور في الصين، أو الحرب الخاطفة بين المملكة العربية السعودية واليمن، يجب على العالم الإسلامي أن يبقى متحداً ويضع الخلافات جانباً؛ فالفائدة التي ستعود عليه من هذا الاتحاد تفوق بكثير الهلاك الذي سينشأ عن خلاف ذلك.

ورئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد براغماتي، مثله مثل العديد من القادة الآخرين في العالم الإسلامي. فهم يفهمون تماماً أنَّ المشكلات هي من صُنع الناس وليس الدين. ويجب أن تكون مبادئ المجتمع وأسسه قوية حتى يتمكن من مواجهة التحديات العالمية، والأهم من ذلك، مواكبة الدول الأخرى القوية في جميع أنحاء العالم. لا يمكن للمسلمين الاعتماد ببساطة على مجدهم السابق، والاكتفاء بالأمل في أن يعود تاريخهم العظيم بطريقة ما مثل الأيام الخوالي؛ بل عليهم العمل بجد والتعاون معاً لتحقيق ذلك. وانطلاقاً من هذا الفهم، طُرِحت خلال القمة الأفكار ونوقشت، وقد نشهد الآن بداية تعاون في مجالات تبادل الشباب والأمن الغذائي والتعاون الإعلامي والتدريب والدفاع. النتيجة الواضحة التي خرجنا بها من هذه القمة هي أنَّ الجميع يرغبون في إحراز التقدم، وأنهم على استعداد لأداء دورهم بتفاعلية من بلدهم لبناء العصر الذهبي الإسلامي، الذي فُقِد منذ زمن. ولا ينصب التركيز على التنافس مع العالم الغربي أو القوى الاقتصادية في الشرق الأقصى، بل على تحسين سبل العيش من خلال بنية تحتية وأنظمة أفضل وازدهار مشترك. وفي النهاية، تكمن السيادة الحقيقية في قدرة الدولة على رسم خريطة طريقها للنجاح وفق شروطها الخاصة.

وكما يقول الله (عز وجل) في سورة الحجرات، الآية 13: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. وإذا خصص المسلمون مدة زمنية وجهوداً وموارد لإعادة بناء دولهم، تعادل تلك التي خصصوها، مثلاً، لمواصلة العنف بين السنة والشيعة، لكان العالم الإسلامي تحول لإمبراطورية عظيمة اليوم. ونأمل أن يفتح تجمع القادة المسلمين والسياسيين والتكنوقراط وعلماء الدين وصانعي السياسات والأكاديميين من جميع أنحاء العالم في كوالالمبور أعيننا على تفاهم أفضل بين بعضنا البعض ومستقبل أكثر إشراقاً للمجتمع الإسلامي”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top