الصراع على سوريا «الغير مفيدة»

برز مصطلح “سوريا المفيدة” بشكل واضح مع نهاية عام ٢٠١٤. كان المصطلح، الذي ينسب للنظام،  يشير إلى محور دمشق – حلب وامتداده غرباً للساحل السوري على أنه الثقل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة السورية. ورغم أن المصطلح مهين لأي وطني سوري، فإنه يعكس ثقافة تهميش مواطني شمال شرقي سوريا التي مورست لفترات طويلة. هذا التهميش كان نابعاً من معرفة أهمية الشمال الشرقي، ولكنه مورس لتسهيل السيطرة على المجموعات السكانية المتنوعة تاريخياً وعرقياً ودينياً ومنع ظهور أجندة وطنية محلية لا تتبع لأجندة “سوريا المفيدة”.

تاريخياً، كانت منطقة الشمال الشرقي جزءاً من بلاد النهرين وتوالى على حكمها إمبراطوريات الآشوريين والأكاديين والبابليين. كانت القوة العسكرية ونظاما الزراعة والري المتطوران اللبنة الأساسية لأي دولة قامت في هذه المنطقة. عبر القرون برزت أيضاً عشائر رئيسية عربية وكردية تجذرت في تاريخ وحضارة المنطقة.

يسهل النظر للمنطقة كدائرة تمتد من الموصل إلى شرق حلب مروراً بأورفة ودير الزور. بعد عدة سنوات من اتفاقية سايكس بيكو، تم الاتفاق بين أطراف سايكس-بيكو على تعديل الحدود السورية العراقية لفصل الموصل عن هذه الدائرة. تلتها بعدة سنوات اتفاقية لوزان لتعديل الحدود السورية التركية على طول سكة حديد نصيبين – رأس العين – جرابلس، مما فصل أورفة عن هذه الدائرة وقسم بعض المدن لجزأين؛ سوري وتركي.

اقتصادياً، تعتبر منطقة الشمال الشرقي السوري السلة الزراعية الاستراتيجية لسوريا حيث تنتج هذه المنطقة على سبيل المثال أكثر من ٧٥٪؜ من القمح السوري وأكثر من ثلثي القطن السوري، وهما المحصولان الاستراتيجيان الأول والثاني على الترتيب حسب التقارير الاقتصادية للحكومة السورية. كما تقع معظم حقول النفط والغاز في هذه المنطقة. تشكل الزراعة ٢٥٪؜ من الدخل القومي السوري، بينما ساهم قطاع النفط والغاز بحوالي ٢٠٪؜ من الدخل القومي كما تشير تقارير صندوق النقد الدولي.

لم يقم تحالف العشائر في الماضي على العامل العرقي، فقد وثق الأرشيف العثماني تحالف قبائل عربية وكردية ضد السلطنة مثلما تحالفت قبائل عربية وكردية مع الدولة العثمانية. منذ عهد الوحدة مع مصر، عانى سكان هذه المنطقة من التهميش لتسهيل حكمهم، حيث عمدت الأنظمة المتعاقبة إلى إبقاء تمثيل العشائر العربية والكردية رمزياً في البرلمانات المتتالية. واستبدلت أعراف وأنظمة التعامل العشائري بسطوة الأجهزة الأمنية مما همش الكثير من الزعامات التقليدية وأفسح المجال لزعامات تعتمد على علاقتها بالسلطة لتحقيق مكاسب مادية وللسيطرة على بعض أراضي الدولة أو أراضي عشائر منافسة. نتج عن هذه السطوة الأمنية تدهور صيغ المواطنة والتعايش بين المكونات المختلفة للمجتمع السوري وتعميق الاصطفاف العرقي والقبلي في تلك المنطقة.  ظهر سوء الإدارة الحكومية على سبيل المثال في قضايا منع الجنسية السورية على مدى نصف قرن عن الآلاف من أكراد الجزيرة، كما ظهر في قضايا تعويض بعض القبائل العربية المتضررة من بناء سد الفرات(الغمريين) بتوطينهم على أراضي قبائل كردية منافسة. في أواخر الثمانينيات تزايدت هجرة السريان والآشوريين من سوريا باتجاه الدول الأوروبية بسبب شعورهم بالتضييق المستمر، واتجه الكثير من أبناء العشائر العربية والكردية لضواحي حلب ودمشق في سعيهم لمستقبل اجتماعي واقتصادي مستقر.

عمّق هذا التهميش تفتت النسيج الاجتماعي القبلي والعرقي للجزيرة السورية وأضعف قدرتها على إنتاج مفهوم جماعي للمواطنة كما أضعف قدرتها على التفاعل بشكل مباشر مع بعضها لمواجهة تحديات الحرب في سوريا.

فقد تُركت عشيرة الشعيطات، على سبيل المثال، وهي تنتمي لواحدة من أكبر العشائر العربية، وحيدة تقريباً في مواجهة داعش عام ٢٠١٤. فأحلت داعش دماء أبنائها ممن يزيد عمرهم على ١٤ عاماً مما نتج عنه مقتل المئات من أبنائها خلال أسبوعين وتشريد عشرات الآلاف من عائلاتهم خارج قراهم. وأرسلت مجازر داعش بحق الأيزيديين لاحقاً رسائل واضحة لمسيحيي وأكراد الجزيرة السورية.

تشكلت قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة كإحدى المجموعات لمواجهة داعش. لكن لاحقاً، سيطر الغموض والتوجس على الرؤية المستقبلية لقوات سوريا الديمقراطية: هل هو تحالف محلي كردي مع عشائر ومسيحيي الجزيرة لمواجهة داعش، أم هو مشروع قومي كردي عابر للحدود؟

ورغم أدبيات الإدارة الذاتية التي تتحدث عن مشروع حكم محلي منفتح على مكونات المجتمع، فإنها أعادت نفس الأسلوب الإقصائي لأي مكون غير متفق معها، بما فيها بعض الأطراف الكردية.

في ظل هذا الضياع، يتسابق النظام وبعض الأنظمة الإقليمية والدولية لإيجاد حلفاء محليين للاستقواء بهم للسيطرة على العشائر والتجمعات العرقية المتنافسة من جهة، وللسيطرة على المكون الرئيسي للاقتصاد السوري من جهة أُخرى مقابل إعطائهم ميزات من مال وسلاح. من الواضح أن نتائج هذا التسابق ستحدد ملامح المرحلة القادمة في سوريا.

لا تختلف حالة الضياع في شمال شرق سوريا عن حالة  الضياع والفراغ الحالية في شمال غرب العراق، الامتداد الطبيعي لهذه الدائرة كما أوضحنا.

فقد وقع سكان المنطقة على جانبي الحدود، وهم المعروفون بروحهم القتالية، ضحية لداعش وضحية للتهميش والتهجير. ووقعوا ضحية للفقر رغم الثروات الهائلة لهذه المنطقة، وغابت المبادرات المحلية والوطنية لإعادة القيادات العشائرية والعرقية لمكانها الطبيعي في قيادة التحركات الوطنية.

ولعله من المذهل أن المدينتين الرئيسيتين في هذا المحور، حلب والموصل، هما أكثر مدينتين تعرضتا للتهديم والتهجير في العقد الحالي مما يعكس وضع المنطقة ككل.

يثير تهميش هذه المنطقة مخاوف الوطنيين السوريين، فقد يصبح بناء الجسور بين جناحي سوريا صعباً للغاية، مما يزيد التفكك الحالي، وينذر باحتمال تغيير شكل الإقليم ككل.

 في العراق، أضعف الكسر والتهميش المتعمد لشمال غرب العراق الدولة فلم تقوَ على التعافي رغم مرور 15 عاماً على تغيير النظام. في سوريا، لن يكون الوضع مغايراً مع استمرار كسر الجناح الشمالي الشرقي لسوريا وتجييره لصالح “سوريا المفيدة”.

د. أحمد طرقجي:

الرئيس السابق لتحالف المنظمات الإنسانية السورية الامريكيه. جراح صدر وأوعية في كاليفورنيا. عمل لسنوات في المجال الإغاثي ومجال المجتمع المدني و ترأست تحالف المنظمات الإنسانية السورية الامريكية والجمعية الطبية السورية الأمريكية.

نظم هذه الجمعيات ودعم خطة الاستجابة الإنسانية للعديد من الأزمات الإنسانية في سوريا عن طريق الشراكات المباشرة مع المجتمع المدني والإغاثي السوري وعن طريق الشراكات مع هيئات الأمم المتحدة. أدلى بشهادتي عدة مرات عن المصاعب التي تواجه السوريين في العديد من المنصات الدولية والأكاديمية بما فيها الكونغرس الأمريكي والدول الأعضاء بمجلس الأمن الدولي وجامعات هارفارد وكامبريدج.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top