يحرقون الأكياس والنعال القديمة للتدفئة ويأكلون نوى الزيتون.. عن أبشع معاناة إنسانية رأيتها

وقفت وسط حقل موحل في أحد المخيمات التي تضم 1,150 خيمة للنازحين داخلياً في إدلب. كانت تُمطر وكان الطين بعمق قدمين. يصبح الجو هنا بارداً للغاية في يناير/كانون الثاني، لكن الأطفال كانوا يمشون مرتدين أحذيةً ونعالاً خفيفة.

قبل ثلاثة أسابيع فقط من مهمتي الطبية، حدث نزوح ضخم جديد للمدنيين السوريين. وتساءلت كيف يمكن للبشر العيش في هذه الخيام في مثل هذا الطقس القاسي؟ أخبرني   “عليّ” ذو العشر سنوات أنه يحلم بالعيش في منزل دافئ مرةً أخرى، وأن هذا الاحتمال لا يزال بعيد المنال.

فبعد تسع سنوات من المعاناة، يبدو وكأن المجتمع الدولي والأمم المتحدة قد تخليا عن الشعب السوري. فحتى الخيام الملائمة لتوفير بعض الدفء، التي تقدمها عادة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لم تكن متوفرة عندما كنت هناك.

بحلول الشهر الماضي، بلغ عدد النازحين 359 ألف مدني، من بينهم 165 ألف طفل، وعدد المستشفيات المقصوفة أكثر من 60 مستشفى منذ مايو/أيار 2019.

تضم إدلب، وهي محافظة محاصرة، ما يقرب من 4 ملايين مدني وأكثر من 1,150 مخيماً للاجئين النازحين. ونصف هؤلاء جاؤوا هرباً من مناطق أخرى بسوريا. وقد أغلقت تركيا، التي استقبلت بالفعل 3.9 مليون لاجئ، حدودها، ولا يوجد مكان آخر يمكن الهروب إليه من القصف والعنف. لقد تحولت إدلب إلى ما يشبه معسكر اعتقال كبيراً.

سافرت من شيكاغو إلى إدلب للتضامن مع الشعب ونقل دعم الشعب الأمريكي. كنت في مناطق كوارث كثيرة مع منظمة MedGlobal التي أديرها، وقدمنا رعايةً طبيةً مجانيةً للنازحين واللاجئين هناك. لقد شاركت في بعثات طبية بدءاً من اليمن وكولومبيا وغزة واليونان والعراق ولبنان والأردن، وصولاً إلى أزمة الروهينغا في بنغلاديش. ما يحدث في إدلب هو إلى حد بعيد الأسوأ. ومع ذلك لا يزال القانون الدولي الإنساني، الذي يكفل حماية المدنيين والمستشفيات والأطفال، يُنتهك كل يوم، مع الأسف، على يد عضو في مجلس الأمن الدولي. لا ينبغي السماح بأن يكون هذا الحال المعتاد الجديد، حتى في حالة الحرب.

أطفال إدلب يعانون، فهم يُستهدفون بالقنابل والصواريخ الروسية وتلك الخاصة بالنظام السوري. فبحسب التقارير الأخيرة حول أثر الأزمة في إدلب على الأطفال، سلطت منظمة Save the Children الضوء على إحصائيات مفزعة للغاية. ففي المتوسط، قُتل طفل سوري في تفجيرات روسية/سورية يومياً على مدار العام الماضي. وخلال شهر واحد (يوليو/تموز 2019 على وجه التحديد)، قُتل أطفال أكثر مما قُتل في عام 2018 بأكمله.

يُمثل الوضع الإنساني معضلة للمنظمات السورية غير الحكومية، خاصة منذ غياب وكالات الأمم المتحدة أثناء تعليقها لعمليات تقديم المساعدات للمدنيين. وكان من المرجح أن تُستأنف المساعدات عبر الحدود اعتباراً من 10 يناير/كانون الثاني 2020، لكن تقليل مجلس الأمن لعدد نقاط العبور التي يوفرها خلق مشكلات. من وجهة نظري، لا يبدو حتى الآن أن الأمم المتحدة لديها خطة عملية. ينبغي أن يكون هناك تمويل طوارئ متاح، ويمكن استخدامه في حالة حدوث مشكلات مثل هذه. لكن بدلاً من ذلك، فشل مسؤولو الأمم المتحدة إلى حد كبير في مقابلة أغلب مَن يُفترض أنهم يحمونهم ويقدمون المساعدات الإنسانية لهم.

وباعتبارها جزءاً من التضامن العالمي مع أطفال إدلب، وقفت منظمة MedGlobal بالتعاون مع مجموعة من عدة منظمات إنسانية، إلى جانب 1.2 مليون مدني سوري نزحوا إلى إدلب لتسليط الضوء على الظروف المأساوية هناك. وقد دعونا أيضاً أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى زيارة 359 ألف نازح جديد. ولم نتلق حتى الآن أي رد.

وتتباطأ استجابة الأمم المتحدة وغوتيريش للوضع الكارثي. ولا يكفي إبداء “المخاوف العميقة” من مكتبه بمقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، بل يجب عليه زيارة إدلب مثلما زار مناطق الكوارث الأخرى. هذا واجبه. ما يحدث في سوريا، وإدلب، هو وصمة عار في سجل الأمم المتحدة، وفشل تام لنظامها المتيبس الذي عفا عليه الزمان.

وصفت لُبنى سعد، وهي طبيبة أطفال سورية نزحت مع أسرتها من معرة النعمان قبل ثلاثة أسابيع، الظروف المروعة لإخلاء مدينتها. يعيش أغلب الناس الآن في ملاجئ مؤقتة، لا تتوافر فيها الضروريات الأساسية. فالديزل اللازم للتدفئة نادر وباهظ الثمن. وتلجأ العائلات إلى إحراق الأكياس البلاستيكية وكافة أنواع الأدوات لتدفئة أفرادها. وقالت لبنى إن “الأطفال في حالة صدمة”.

وتابعت: “عالجتُ أطفالاً مصابين بسوء التغذية الحاد. أُمرّض نساء لا يستطعن تمريض أطفالهن بسبب الصدمة النفسية ونقص التغذية الجيدة. ويَصعب للغاية على الأطفال النازحين أن ينجوا من فصل الشتاء القاسي”.

على الرغم من هذا، فإن الناس مرنون للغاية. فهم يتعاملون مع الكارثة بأفضل ما يعرفونه من طرق. تتضمن طرق النجاة استخدام نوى الزيتون وقشر الفستق لتسخين مواقدهم بدلاً من الديزل، أو حتى استخدام الأكياس البلاستيكية والأحذية والنعال القديمة. وباعتباري طبيباً، يثير هذا قلقي؛ فأنا أعلم العواقب طويلة المدى لاستنشاق أدخنة حرق المواد البلاستيكية.

وفي محاولة لتقييم الوضع الطبي مؤخراً، زرتُ مستشفى باب الهوى، وهو أكبر مستشفيات إدلب، والتقيتُ بطاقمه الطبي والإداري. وهو مستشفى يخضع لحماية معقولة كونه قريباً من الحدود التركية، وإجراء العديد من العمليات الجراحية مقصور على ذلك المستشفى على وجه التحديد بسبب تمتعه بالأمن إلى حد ما. ويخدم المستشفى 240 ألف مريض جراحي وسريري سنوياً، لكن هذا لا يعني أنه لا يحتاج إلى موارد وحماية.

يُستهدف الأطباء والممرضون في سوريا إذا كانوا يعملون في المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة. وبحسب منظمة أطباء لحقوق الإنسان، قُصف 589 مستشفى منذ 2016، وقُتل ما لا يقل عن 914 عاملاً في المجال الطبي. ويتعرض هؤلاء الأبطال للمضايقات والاستهداف والنسيان، لكنهم يستحقون دعمنا واحترامنا وتضامننا، وفي مقدمتنا قادة العالم.

ينبغي على دونالد ترامب احترام قرار مجلس الأمن رقم 2254، وجعل سوريا أولوية، وممارسة ضغط دبلوماسي لإنهاء الأزمة إلى الأبد، وزيادة المساعدات الإنسانية للأطفال السوريين من خلال المنظمات غير الحكومية المحلية السورية. لقد عانى الأطفال السوريون بما فيه الكفاية، ويجب على الدول المسؤولة زيادة المساعدات الإنسانية لهؤلاء النازحين وممارسة جميع الضغوط الدبلوماسية الممكنة على روسيا لوقف قصف إدلب.

لقد سألتُ أطفال مخيمٍ زُرته على جانب الطريق السريع بين مدينة إدلب وتركيا عن أحلامهم للمستقبل. أراد بعضهم أن يكون مهندساً، وأراد البعض الآخر أن يكون معلماً، وأراد بعضهم حتى أن يصبح رئيساً، لكن أكثر من نصف أطفال المخيم أرادوا أن يصبحوا أطباء. أتمنى أن يمنحهم المجتمع الدولي الفرصة لأن يصبحوا مصدر شفاء للمنطقة بأسرها، بدلاً من الشعور بالمزيد من اليأس.

  • هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent  البريطانية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top