يُعَد رمضان بالنسبة للمسلمين وقتاً نصوم فيه عن نعم الله المتاحة بيسرٍ أمامنا وكثيراً ما نأخذها باعتبارها مُسلَّمات.
ومن حِكَم الصوم أنه إذا امتنعنا طوعاً عن الطعام والشراب، سنكون قادرين على التعاطف بصورة أفضل مع أولئك الذين يواجهون المصاعب بسبب الفقر.
لكنَّ تجربة الجوع وحدها ليست كافية للانضباط الروحي. بل على المرء أيضاً أن ينشط في مكافحة الجوع الجماعي. إذ قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): “مَا آمَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وَجارُهُ جائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ”. وإذا لم يستطع المرء الصوم بسبب ظرفٍ صحي مستديم، يجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم يفطره. وقبل أن تجتمع الجالية في نهاية الشهر للاحتفال بعيد الفطر، يلزم على كل شخص قادر تقديم ما يُسمَّى “زكاة الفطر”، وهو تبرع خيري صغير يُخرَج قبل أيام قليلة من العيد لضمان أن يتمكَّن الفقراء من الاحتفال بالعيد هم أيضاً.
وفي كل ليلة في رمضان، في الظروف العادية، تستعين المساجد حول العالم بممثلين خيِّرين يجمعون الأموال من المُصلّين. في عام 2004، كنتُ أجلس في مسجدي بولاية نيو أورليانز، وكان المُمثِّل الخيري تلك الليلة يجمع الأموال لحفر ينابيع مياه في الصومال. وقد أجهش بالبكاء حين روى قصة امرأة التقى بها. في الإسلام، يجب أن يكسر المرء صيامه حتى ولو بشربة ماء عند مغيب الشمس. وقد سألته المرأة إن كان الله سيسامحها لعدم امتلاكها ما تكسر به صيامها في رمضان. تأثر المتحدث بانشغال المرأة بالحفاظ على دينها حتى وهي تكافح الجوع، وناشدنا أن نتصوَّر أنفسنا مكانها. ومع أنَّ مشاعره لامست الحضور، لم يتمكَّن أيٌّ منا من استحضار تلك التجربة حقاً.
وبعد عام، ضرب إعصار كاترينا منطقتنا في نيو أورليانز. واعترف لي شخص يبلغ من العمر 61 عاماً كان قد اعتنق الإسلام وخسر كل شيء في تلك السنة، ذات ليلة في أحد الملاجئ والدموع ترقرق في عينيه، بأنَّه كان جائعاً جداً لدرجة أنَّه فتَّش حقيبته ولم يجد ما يكسر به صيامه إلا عبوة شحم خنزير كانت موجودة في خزانته منذ سنوات. ضحك الرجل وتذكَّر المرأة الصومالية؛ إذ لم يكن يعتقد أبداً أنَّه سيمُرّ بمثل وضعها.
اليوم، في عصر فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، يُعَد الجوع عدواً قاتلاً وفي ازدياد. فوفقاً لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، قد يتضاعف تقريباً عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام حاد للأمن الغذائي ليبلغ 256 مليون شخص، بسبب الآثار الاقتصادية لكوفيد 19. سيكون الكثير من هؤلاء أمريكيين، بما في ذلك مسلمين.
وفي حين تُنظِّم الجاليات إفطارات افتراضية في لقاءات بالفيديو عبر تطبيق Zoom حتى يتمكَّن الناس من الأكل معاً بينما يُحافظون على التباعد الاجتماعي، لن يملك الكثير من المسلمين أي طعام يضعونه على المائدة. واعترف أحد أعضاء جاليتي لي بأنَّه لم يُرِد الذهاب إلى أحد المساجد التي توزع طعاماً خوفاً من الوصم الاجتماعي. واختار بالمقابل أن يذهب إلى “بنك طعام شمال تكساس” والانتظار في طابور حتى يتمكَّن من البقاء مجهول الهوية بعض الشيء. لم يُرِد الرجل أن يزيد الإحراج آلام جوعه.
لكن اليوم، تعاني الكثير من بنوك الطعام التي أُقيمَت للمساعدة في إطعام المحتاجين جرَّاء فقدانها المتطوعين. وتشهد بنوك الطعام الأخرى التي ما تزال مفتوحة طوابير لا تنتهي من السيارات لراغبين جدد في الحصول على المساعدات. وفي بعض مناطق تكساس، بما في ذلك مدينة إلباسو، تبدأ الطوابير في الساعة الرابعة صباحاً، وفي الغالب لا يحصل الناس على حصصهم الغذائية إلا بعد 5 ساعات. وفي كثير من الأحيان تحتوى علب الطعام على أطعمة عشوائية ليس مسموحاً حتى للمسلمين بتناولها، لكن كثيراً ما تنفد السلع المُعلّبة والمواد الأساسية الأكثر طلباً من بنوك الطعام. وكما هو الحال مع الشخص الذي اعتنق الإسلام وتناول شحم الخنزير في نيو أورليانز، قد يجد المسلمون واليهود والهندوس والنباتيون أنفسهم مضطرين لتناول أي شيء يجدونه ليبقوا على قيد الحياة.
ووفقاً لبعض الدراسات الأولية، فإنَّ كل شخص من بين كل 3 أشخاص سعوا للحصول على مواد البقالة من مخازن المؤن غير الربحية في شهر مارس/آذار الماضي لم يحتاجوا مساعدات غذائية طارئة من قبل قط. ويُعَد الأشخاص ذوي البشرة الملونة وكبار السن أكثر عُرضة للتأثر.
لا تعاني أمريكا من نقصٍ في الغذاء، بل في الحقيقة يتخلص الأمريكيون مما يصل إلى 40% من غذائهم. ويمكن إلقاء اللوم جزئياً في ما تشهده بنوك الطعام من نقصٍ مطرد في التبرعات من شركائها الموثوقين سابقاً على ظاهرة شراء الذعر من متاجر البقالة.
لقد أقدمنا على تخزين مؤننا بدافع الطمع والخوف. وهذه اللامبالاة تقودنا إلى تجاهل الآخرين. وفي الإسلام، تُعَد هذه أمراض روحانية تُعالَج جزئياً بالصوم. وربما ينبغي على جميع الأمريكيين المحظوظين بما يكفي ليصوموا تطوعاً أن يفكروا في عمل ذلك بصورةٍ ما للتعاطف مع أولئك الذين تأثروا بالجوع.
وطبقاً للقرآن، فإنَّ المآل النهائي لرمضان بالنسبة للمسلمين هو “لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”. وفيما نقاسي هذه الفترة من كوفيد 19، نرجو أن يقودنا شكرنا إلى عدم نسيان الجائعين.
– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأمريكية.