مليارات في مهبّ الريح: لعبة الكبار في “المياه الدافئة” الليبية تعصف بطموحات الإمارات

“المياه الدافئة” مصطلح متداول في العلوم السياسية ويقترن  شرطيّاً بروسيا القيصرية، حيث تشير المراجع التاريخية إلى أن كاترين الثانية، الملقّبة بكاترين العظيمة، أحد أشهر القياصرة الروس، والتي عرفت معها الإمبراطورية الروسية أكبر توسّع جغرافي لها، كانت تحلم بالوصول إلى المياه الدافئة على البحر المتوسط.

حلم راود كل الحكام الروس، بمن في ذلك الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، وفي مقاله «نحو إمبراطورية روسية جديدة» يقول البروفيسور ألكسندر دوغين المُنظِّر والمُفكِّر وعالِم الاجتماعِ والمؤرِّخ الروسي، الملقب بـ«عقل بوتين»: «إن الإمبراطورية الجديدة يجب أن تقام دفعة واحدة كإمبراطورية، ويجب أن ترسي مداميك الإمبراطورية الكاملة الأهلية والمتطوّرة بمشروعها منذ الآن، ولا يجوز إرجاء هذه العملية إلى مدى بعيد يأمل بظروف أكثر ملاءمة، فأمثال هذه الظروف المتوفّرة اليوم لإقامة الإمبراطورية الروسية الكبرى لن تتوفّر مرة أخرى». ويضيف دوغين: «مهما يكن من أمر فإنّ إيجاد مخرج على البحار الباردة في الشمال والشرق يجب أن يتمّ بالانفتاح على البحار الدافئة في الجنوب والغرب، وفي هذه الحالة فقط تصبح روسيا «مكتملة» من الناحية الجيوبولوتيكية».

يبدو أن ألكسندر دوغين على عجلة من أمره ويرغب في تحقّق الحلم الروسي، وترجمة أدبياته ميدانياً قبل مماته، والظاهر أن بوتين كذلك متحمسّ بشدّة لهذا الطرح بعد الفرصة التاريخية التي مكّنت موسكو من بسط نفوذها في سوريا بتعلّة الذود عن الحليف «الأسدي»  والإبقاء على نظامه الصديق لموسكو وكان التدخّل الروسي بقاعدة ألكسندر دوغين أيضاً والتي تقول: «الأفضل أن تعود روسيا لبلدان الجنوب في شكل حليف، وحام وصديق، من أن تعود في صورة مستعمر، جلاّد غليظ القلب» … وبنفس هذا التوجّه الناعم موّلت موسكو مفاعل ضبعة النووي في مصر والذي كان بمثابة بطاقة عبور نحو ليبيا وكلمة السر «دعم المشير المتقاعد حفتر».

روسيا في ليبيا

إن المتابع للمشهد الليبي يلمح بشكل جليّ تصاعد الدور الروسي بشكل غير رسمي عبر مرتزقة فاغنر أو بشكل رسمي عبر إرسال موسكو طائرات السوخوي والميغ بعد هزيمة المشير في محاور القتال في تخوم العاصمة طرابلس.

الوجود الروسي في ليبيا ليس بالمستجدّ أو الطارئ بل يعود تحديداً إلى شهر أبريل/نيسان 2015 حيث توجّه عبدالله الثني رئيس وزراء حكومة طبرق إلى موسكو، ولمح إلى أن العقود الروسية الليبية المبرمة في عهد القذافي يمكن أن توضع قريباً على الطاولة من جديد، وهو عرض مغر بالنسبة لموسكو التي استقبلت المشير المتقاعد خليفة حفتر في أكثر من مناسبة سنة 2016 قابل فيها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ثم وزير الدفاع سيرجيو شويغو، كما حلحلت روسيا أزمة سيولة حكومة طبرق بطباعة 4 مليارات دينار من العملة الليبية لينطلق بذلك الدعم المعلن الروسي للجنرال المقرّب من القذّافي الحليف التاريخي لموسكو، فالجنرال المتقاعد ببعده العسكري المعادي للإسلاميين يعتبر النموذج المحبّذ للعقيدة العسكرية الروسية المعادية للثورات، الأمر الذي لخّصه الكاتب الروسي ميخائيل شيشكين بشكل ساخر بالقول: «ليس هناك في روسيا من يحبّ متاريس الثورة».

التحالف الروسي الإماراتي في ليبيا

من المؤكّد أن المشهد الليبي مشهد شطرنجي معقّد بالنظر للتحالفات الميدانية وتقاطع المصالح، فالموقف المشترك في العداء للثورات العربية بين موسكو وأبوظبي، كان دافعاً لتمتين العلاقات الروسية الليبية في المنطقة عموماً وفي ليبيا تحديداً، حيث يتبنّى مفهوم الديمقراطية السيادية المتبع في روسيا منذ 2006 ونظام العقد الاجتماعي في الإمارات فكرة وضع الرفاهية الاقتصادية والاستقرار الأمني في موضوع الأولوية، على حساب الحرّيات السياسية وهي نظرة مشتركة كانت فضاء لتقاطع المصالح بين الدولتين في المنطقة العربية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وظهور الحركات الإسلامية.

التطورات الميدانية الأخيرة في ليبيا تنبئ -حسب العديد من المراقبين- بظهور مساحات للخلاف بين روسيا والإمارات وتنهي الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فالتعارض بين رؤية موسكو لاستراتيجية التوازن في ليبيا والتعامل مع طرفي النزاع سيدفع موسكو للتعامل مع الإمارات الداعمة بشكل غير مشروط لحفتر ضد حكومة الوفاق، على أنها عائق أمام النظرة الروسية في ليبيا على المستوى الدبلوماسي وفق الاستراتيجية المرسومة، فالمؤكّد أن البراغماتية الروسية تتعامل مع الإمارة الصغيرة الثرية والطوحة على أنّها رافعة مالية ظرفية لتمويل عمليات مرتزقة فاغنر، أو توفير السيولة للمشير وميليشياته وتزويده بالأسلحة ومع دخول الولايات المتحدة الأمريكية على الخط إضافة إلى الدور التركي الذي قلب المعادلة العسكرية رأساً على عقب فإن الصراع سيكون منحصراً بقوّة الأمر الواقع، بين هذه الأقطاب إلى جانب فرنسا، أمّا مصر أهم حليف إماراتي في المنطقة فقد اعتبر الصحفي الفرنسي نيكولا بو في مقال الأسبوع الماضي على موقع موند أفريك  بأن عبدالفتاح السيسي «تائه» بين حلفائه الغربيين فهو من جهة يحافظ على علاقات جيّدة مع فرنسا وصديقه وزير الخارجية إيف لودريان الذي يزوّد النظام القمعي المصري بأسلحة مكافحة الشغب ويغضّ الطرف عن الانتهاكات الخطيرة لنظام السيسي ضدّ حقوق الإنسان، لكن في ذات الوقت لا يمكن للديكتاتور المصري أن يغضب الولايات المتحدة الأمريكية الحليف التاريخي، مع تغيّر موقف واشنطن من الحرب الليبية لصالح حكومة الوفاق مع انتصاراتها الأخيرة ميدانياً.

الإمارات العربية المتحدة، التي تسعى للعب دور أكبر من حجمها خلال سنوات من التدخل في الشأن الليبي وتمويل ميليشيات المتقاعد في سبيل عسكرة البلاد لن تكون إلا رافعة مالية وظيفية للقوى الدولية يمكن أن تكافئها في أقصى الحالات بمقعد شرفي في طاولة مفاوضات دبلوماسية تجمع الفرقاء الليبيين برعاية كبار العالم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top