رئيس وزراء باكستان يكتب: لن تعرف باكستان السلام الحقيقي حتى ينعم إخواننا في أفغانستان بالسلام التام

لا شك أن أفغانستان والمنطقة تشهد بارقة أمل ثمينة. ففي 12 سبتمبر/أيلول، اجتمع وفدان من الحكومة الأفغانية وطالبان أخيراً في العاصمة القطرية الدوحة لبدء مفاوضات للتوصل إلى تسوية سياسية من شأنها إنهاء الحرب في أفغانستان.

وباستثناء الشعب الأفغاني الصامد، لم يدفع أي طرف ثمناً لهذا الصراع الذي تشهده أفغانستان أعلى مما دفعه الشعب الباكستاني. فخلال الصراع الذي امتد لعقود، تولت باكستان مسؤولية رعاية أكثر من 4 ملايين لاجئ أفغاني. وتتدفق الأسلحة والمخدرات إلى بلادنا أيضاً. وفضلاً عن ذلك، عطلت هذه الحروب مسار نمونا الاقتصادي وأدت إلى تطرف الطبقات المهمشة في مجتمعنا. لقد تغيرت باكستان التي كنت أعرفها أثناء نشأتي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بدرجة مقلقة.

لكن هذه التجربة علمتنا درسين مهمين، أولهما أن ارتباطنا الوثيق بأفغانستان جغرافياً وثقافياً وقرابةً جعل من الصعب ألا تلقي الأحداث التي يمر بها هذا البلد بظلالها على باكستان، إذ إننا أدركنا أن باكستان لن تعرف السلام الحقيقي حتى ينعم إخواننا وأخواتنا الأفغان بالسلام.

وتعلمنا أيضاً أن السلام والاستقرار السياسي في أفغانستان لا يمكن فرضهما من الخارج باستخدام القوة. لكن عملية مصالحة يملكها ويقودها الأفغان، وتعترف بحقائق وتنوع المشهد السياسي في أفغانستان، هي وحدها ما يمكن أن  تؤدي إلى سلام دائم.

ولذا، حين كتب لي الرئيس ترامب في أواخر عام 2018 طالباً مساعدة باكستان في مساعي الولايات المتحدة للتفاوض حول تسوية سياسية في أفغانستان، لم نتردد في طمأنة الرئيس بأن باكستان ستبذل قصارى جهدها لتسهيل الوصول إلى هذه النتيجة، وقد فعلنا. وهكذا بدأت جولات شاقة من المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان توّجت باتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في فبراير/شباط. وقد مهد هذا الاتفاق بدوره الأساس للمحادثات بين القيادة الأفغانية وحركة طالبان.

لم يكن الطريق الذي سلكناه للوصول إلى هذه المرحلة سهلاً، لكننا تمكنا من الاستمرار فيه بفضل الشجاعة والمرونة التي أظهرها جميع الأطراف. فسهّلت الولايات المتحدة وحلفاؤها تبادل الأسرى بين كابُل وطالبان. واستجابت الحكومة الأفغانية وحركة طالبان لحاجة الشعب الأفغاني البالغة إلى السلام.

غير أن المفاوضات بين الأفغان ستكون أكثر صعوبة على الأرجح، حيث تتطلب صبراً وتنازلات من الطرفين. والتقدم قد يكون بطيئاً ومؤلماً؛ بل وقد يحدث أحياناً أن يشوبه الجمود. وحين يحدث ذلك فيجدر بنا أن نتذكر أن الجمود الخالي من الدماء على طاولة المفاوضات أفضل كثيراً من الجمود الملطخ بالدماء في ساحة المعركة.

ويتعين على جميع المشاركين في عملية السلام الأفغانية مقاومة إغراء وضع جداول زمنية بعيدة عن الواقعية. فالانسحاب الدولي المتعجل من أفغانستان لن يكون حكيماً. ولا بد أن نتوخى الحذر أيضاً من الأطراف الإقليمية المفسدة التي لا تستثمر في السلام وترى أن عدم استقرار أفغانستان مفيد لغاياتهم الجيوسياسية.

وباكستان ستواصل دعم الشعب الأفغاني في سعيه للوصول إلى أفغانستان موحدة ومستقلة وذات سيادة تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها. وباكستان ترى أنه لا ينبغي إجراء مفاوضات السلام بالإكراه وتحث جميع الأطراف على الحد من العنف. ومثلما اعترفت الحكومة الأفغانية بحركة طالبان واعتبرتها واقعاً سياسياً، فنأمل أن تعترف طالبان بالتقدم الذي أحرزته أفغانستان.

ولا تريد باكستان، مثلما لا تريد الولايات المتحدة، أن ترى أفغانستان تتحول إلى ملاذ للإرهاب الدولي مرة ثانية أبداً. فمنذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ضحى أكثر من 80 ألفاً من أفراد الأمن والمدنيين الباكستانيين بحياتهم في ما قد ندعوه أكبر وأنجح معركة على الإرهاب. لكن باكستان ما تزال هدفاً للهجمات التي تشنها الجماعات الإرهابية المدعومة من الخارج والمتمركزة في أفغانستان.

وهذه الجماعات الإرهابية تشكل خطراً واضحاً وقائماً على السلام العالمي. ونأمل أن تتخذ الحكومة الأفغانية إجراءات للسيطرة على المناطق غير الخاضعة لسلطتها داخل أراضيها التي منها قد تتمكن الجماعات الإرهابية من التخطيط وتنفيذ هجمات على الشعب الأفغاني وقوات التحالف الدولي المتمركزة في أفغانستان ودول أخرى في المنطقة من بينها باكستان. ومثل الولايات المتحدة، لا نريد أن تذهب الدماء والخسائر التي تكبدناها في الحرب على الإرهاب هباءً.

وقد حان الوقت أيضاً للبدء في التخطيط “للمرحلة التالية”، فكيف للعالم أن يساعد في انتقال أفغانستان بعد الحرب إلى سلام دائم؟ كيف نهيئ الظروف التي تمكّن ملايين اللاجئين الأفغان الذين يعيشون في باكستان ودول أخرى من العودة إلى وطنهم بكرامة وعزة؟

إن رؤيتي لباكستان تعطي الأولوية للتنمية والازدهار لبلادي ومنطقتنا عن طريق التواصل والدبلوماسية الاقتصادية. وبإمكاننا الاستفادة من استثماراتنا الأخيرة في مشاريع الترابط الاقتصادي الرئيسية لإتمام جهود التكامل الإقليمي بين جنوب ووسط آسيا. ومناقشاتنا المبدئية مع المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية حول هذه القضايا مشجعة. وما يثلج الصدر أن الولايات المتحدة وباكستان تشتركان في رأيهما بخصوص أهمية “مكاسب السلام” لضمان سلام دائم في أفغانستان.

هذا ويظل السلام والاستقرار الإقليميان مفتاح تحقيق تطلعات شعبنا بمستقبل أفضل لباكستان. ونحن ملتزمون بالتعاون مع أطراف متعددة لتحقيق ذلك.

والخطوة الأولى نحو هذا السلام اُتخذت في الدوحة. والاستخفاف بعملية السلام في أفغانستان أو التخلي عنها لأي سبب من الأسباب سيكون مهزلة كبرى.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأمريكية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top