إذا سألت معظم الناس أن يتخيَّلوا مسلماً، فالأرجح أنهم سيتصورون شخصاً من أصول آسيوية أو عربية، ربما ملتحياً أو ذا غطاء رأسٍ من نوعٍ ما. ولا شك في أن هذه هي الصورة الاعتيادية التي يُروَّج لها على صفحاتنا بالشبكات الاجتماعية، وعلى الصفحات الأولى بالجرائد، وشاشات التليفزيون.
برغم وجود رموزٍ بارزين من المسلمين السود في الماضي، مثل مالكوم إكس ومحمد علي، فمن النادر التركيز على مجتمع المسلمين السود ككلٍّ. ومن غير المفاجئ أن الغالبية العظمى للمسلمين البريطانيين من أصولٍ جنوب شرق آسيويةٍ، بحسب دراسة أطلقها المجلس الإسلامي البريطاني، بينما الأفارقة، والأفارقة الكاريبيون، والأشخاص السود “الآخرون” لا يشكِّلون إلا 10% من المسلمين.
لكن ما معنى أن تكون أقليةً ضمن أقليةٍ؟ تشير الأبحاث إلى شعورٍ بالخذلان والإحباط والتغريب عن مجتمع المسلمين الأشمل.
الإسلام لا يعلِّم الأفكار العنصرية ولا يبررها، لكن لا تزال حقيقة أنه بسبب خليطٍ من الجهل والتكييف الثقافي وتاريخ الاستعمار، فإن كثيرين من الجنوب آسيويين يحملون درجاتٍ متباينةً من الانحياز ضد السود. إذ وجد استقصاءٌ أجرته هيئة تعداد المسلمين بين شباب المسلمين أن 82% قد سبق أن شاهدوا عنصريةً ضد السود داخل عائلاتهم وأصدقائهم.
وفي دراسةٍ أجراها منتدى المسلمين السود، قال 63% من المشاركين إنهم لا يشعرون بالانتماء إلى مجتمع المسلمين البريطاني. وإضافةً إلى ذلك، فقد واجه 49% تمييزاً ضد السود داخل أحد المساجد أو الأماكن الدينية في بريطانيا.
وقد اتُخذت خطواتٌ على مدار السنوات الماضية للتعامل مع هذه المشاكل؛ إذ عقد المجلس الإسلامي البريطاني أول ندوةٍ على الإطلاق بعنوان “مسلم أسود وأفتخر” في عام 2019، حيث اجتمع أكاديميون وعلماء وكبار رموز المجتمع الإسلامي لمناقشة كيفية معاملة المسلمين السود وصورتهم لدى الناس. وقد مهَّدت الندوة الطريق لمبادرةٍ من أجل تمثيل المسلمين السود على نحوٍ أفضل، فضلاً عن إنشاء عدة منصاتٍ للمسلمين السود عبر قنواتٍ متخصصةٍ وعبر الإنترنت.
ومع ذلك، بغض النظر عن الخطوات التي اتخذتها منظماتٌ مثل المجلس الإسلامي البريطاني، فقد قُوبل كثير من هذه الجهود بعدائيةٍ ومقاومةٍ من المسلمين غير السود، إذ اتُّهم المسلمون السود بالعنصرية والجهل والتفرقة بين أوساط المجتمع، حتى إن كثيرين وصفوا هذه الأنشطة بأنها “غير إسلامية”.
لكن هذا الصيف، تغيَّر كل شيء، إذ أدى مقتل جورج فلويد وتظاهرات “حياة السود مهمة” إلى تنظيم حواراتٍ مهمةٍ في المجتمع بخصوص معاداة السود، على نطاقٍ غير مسبوقٍ. فبدأ المسلمون السود التحدث بانفتاحٍ أكثر من أي وقتٍ مضى على الشبكات الاجتماعية عن آلامهم وصدماتهم، وقد بدأ المسلمون الآخرون يصغون إليهم بالفعل.
وقد أسفرت هذه الحوارات عن عدة فعالياتٍ أقبل فيها المسلمون السود على “الإفصاح عن حقيقتهم”. وقد امتدت النقاشات إلى ما وراء العنصرية داخل المجتمع الإسلامي، متطرقةً إلى التساؤل عن سبب محو السود من التاريخ الإسلامي نفسه. فكلٌّ من العلماء عبدالله حكيم كويك، وحبيب أكاندي، ومايكل موميسا أدوا دوراً محورياً في تسليط الضوء على حضور ونفوذ المسلمين السود عبر التاريخ؛ في إفريقيا والجزيرة العربية وأوروبا والأمريكتين، ومنذ فجر الإسلام حتى العصر الحديث.
واليوم، لدينا مسلمون سود يصنعون التاريخ، ويؤثرون في المجتمع، ويلهمون الناس من مختلف الأديان والأعراق. أشخاصٌ مثل البطلين الأولمبيين محمد فرح وابتهاج محمد، وعضوة مجلس النواب الأمريكي إلهان عمر، فضلاً عن الكوميديان نبيل عبدالرشيد، المشارك حالياً بالمراحل النهائية من برنامج Britain’s Got Talent، الذي يُضحِك ملايين البريطانيين على الصور الخاطئة الشائعة عن المسلمين.
ومن المقرر أن يلقي بعض هؤلاء الرموز الثورية خطباً إبان مهرجان المسلمين السود الجاري في بريطانيا؛ وهو حدث يحتفي بتراثنا وثقافتنا وتاريخنا يشارك فيه علماء ونشطاء وأشخاص مؤثرون بالحديث عن الصحة العقلية والروحانية، والعلاقات، والهوية الجنسية، وعديدٍ من المواضيع الأخرى. وسيستمر المهرجان طوال شهر التاريخ الأسود.
وفي ظل دخول قضيتنا مجال رؤية مزيدٍ من المؤسسات السائدة، والترابط الأقوى بين المسلمين السود، ازداد الآن ظهورنا وارتفع صوتنا وثقتنا بهويتنا المتقاطعة. هناك نهضة حقيقية للمسلمين السود تجري حالياً، ولا شك في أن هذا يبشر بالخير للمجتمع الإسلامي، والمجتمع البريطاني كله.
– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.