لا تتوقف المراجع الدبلوماسية الخارجية عن إبداء تخوفها من انفلات أمني غير محسوب النتائج في لبنان، في ظل هذا التسارع العجيب في الأزمات والانهيار المستمر في كل القطاعات، على الرغم من وجود حكومة تسيّر الأعمال بشكل تدريجي، لكن امتحانات مصيرية رسبت بها حكومة نجيب ميقاتي لا يمكن إلا التوقف عندها ملياً؛ بدءاً من ملف طارق بيطار ومحاولة تصفيته معنوياً وتعطيل الحكومة لأجله، مروراً بسيناريوهات الحرب الأهلية التي ترجمت في الطيونة، وليس انتهاءً بمساعي حزب الله لإخراج لبنان من محيطه العربي وعلاقاته مع دول المنطقة لصالح نموذج الإفلاس الإيراني.
فيما المنطقة تشهد تغييراً في نهج القوى الإقليمية المؤثرة وتحديداً العربية، وهذا ما ترجمته زيارة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد لتركيا ولقاء الرئيس التركي وفتح صفحة جديدة بعد عقد من الصراعات الدموية والسياسية.
نظرة غربية لتحولات المنطقة
في إحدى صالات التدخين بفندق عريق في بيروت يسرد مرجع دبلوماسي غربي أن العام القادم سيكون عاماً لفرض الواقع السياسي والإقليمي الجديد نتيجة التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، نتيجة إعادة توزيع النفوذ للانسحاب الأمريكي في المنطقة، والذي بحاجة لقوى فاعلة لتعبئة هذا الانسحاب، وبعيداً عن بطء شديد تشهده إعادة رسم المنطقة نتيجة السعي الإيراني للعب في الوقت الضائع والأزمات المتنقلة التي تشهدها تركيا وإيران وإسرائيل على المستويات السياسية أو الاقتصادية، فإن المؤكد أنه وخلال أيام ستُستأنف المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
والتفاؤل وفقاً لهذا المرجع قد لا يكون نابعاً مما ستحمله هذه الجولات، فهي ليست أكثر من مؤشّر لمحادثات أخرى أكثر أهمية لا بد أنها تدور في مكان ما وتلامس ما هو محرّم طرحه في العلن، لذلك نشطت الحركة بنحو لافت أخيراً خصوصاً على الساحة السورية وكانت حركة معبّرة.
يعتقد المرجع أن إيران هي التي تريد التفاوض على ملفات المنطقة، فيما تريد واشنطن حصر الاتفاق بالشق النووي التقني، وهذا التغير يعود إلى أن فكرة طهران تتعلق بتكريس مكتسبات في المنطقة انطلاقاً من الملف النووي، حيث ستسعى طهران لانتزاع الاعتراف الأمريكي بالمكتسبات التي حققتها حالياً في المنطقة، لأنها تعلم أنه لن تكون قادرة على تحقيق المزيد منها.
فيما الجانب الأمريكي لا يريد لإيران تكريس هذه المكتسبات، بل إظهار أزمته في الملفات الإقليمية أكثر، ومن بينها السماح لحزب الله بإدخال المازوت الإيراني إلى لبنان، فتبين أنها عاجزة عن سداد الحاجة في المجتمع اللبناني، وحتى داخل بيئة الحزب.
ما أدى إلى تعميق وطأة الأزمة لدى حزب الله، خصوصاً بعد انعدام قدرته على تكريس أكثريته النيابية ليحكم كما يريد، فجاءت الأكثرية متزامنة مع انهيار مالي واقتصادي كبير، وتراجع في صفوف حلفائه لا سيما على الساحة المسيحية.
بالتوازي وفقاً للمرجع فإن مَن يراقب الواقع المتوتر في سوريا والنزاع الخفي بين إيران وروسيا، يلاحظ أن إيران باتت تحوِّل حضورها العسكري إلى نفوذ سياسي راسخ وطويل المدى في الخريطة السورية، عبر تنشيط الاستثمار الإيراني في مجالات سكك الحديد؛ حيث أعلن عن نية النظام الإيراني بناء شبكة سكك حديد تربط غرب إيران بميناء اللاذقية.
روسيّاً، وبحسب المرجع، ومع التقدم في الخريطة السورية تسعى موسكو لتنفيذ خطوات مباشرة في لبنان مع الدخول في العام الأخير من عهد ميشال عون وخلال لقاء وزير الخارجية عبد الله بو حبيب مع نظيره سيرغي لافروف في موسكو، كان الهاجس هو الانطلاق بتنفيذ الاتفاق المتعلق بخزانات النفط في طرابلس شمال لبنان وتكريس دورٍ لروسيا في مستقبل لبنان في مجال النفط والغاز، قبل انتهاء ولاية عون والذهاب في زحمة الاستحقاقات الدستورية (البرلمانية والرئاسية).
الإمارات وتركيا نموذجاً للتحول
في المشهد الإقليمي ثمة لعب في إعدادات المنطقة والذي يشي بأن نهجاً يتغير للعديد من اللاعبين الإقليميين، وهذا اللعب على الوتر يبدو في التحول بعلاقة تركيا كدولة وطنية قومية وبين الإمارات كلاعب جديد في الساحة، حققت أهدافاً وفشلت في العديد من الجولات، وهذا التقارب وفقاً للمرجع الدبلوماسي الغربي يعود لمجموعة عوامل لا يمكن إغفالها وهي التحديات الاقتصادية للدول عقب كورونا وما مُنيت به كل الدول من تراجع مؤشرات النمو.
بالإضافة إلى أن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط بات يُشعِر الجميع بالخوف على الأمن القومي الإقليمي للمنطقة، معطوفاً على حاجة مشتركة للجميع بإعادة النقاش والحوار والاستثمار وشراء “الخواطر”؛ حيث إن تركيا في مأزق اقتصادي وأبوظبي في مآزق فشلها في كل الميادين العربية والغربية وتحديداً مع إدارة جو بايدن التي فتحت دفتر الحساب مع كل القوى الإقليمية منذ تولي الأخير لسدة الرئاسة الأمريكية.
الأزمة مع السعودية أمريكية وليست لبنانية؟
في اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مع نظيره القطري في واشنطن لم ينتهِ إلى تشجيع قطر للمضيّ بمبادراتها لحل الأزمة بين لبنان والخليج، هكذا يعتقد المرجع الدبلوماسي، فالعلاقة بين واشنطن والرياض ليست في أحسن أحوالها، وقد لا تسمح بالبحث في أي خطوة تجاه ما يجري في لبنان.
فالزيارة الأخيرة التي قام بها مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان إلى الرياض منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي لم تنتهِ إلى نتائج إيجابية ملموسة، ولم تحيِ الثقة المفقودة بين واشنطن والرياض.
أعضاء الوفد الأمريكي الذي رافقه أوحى بجدول أعمالها، فوجود مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص إلى اليمن تيموثي ليدركينغ، ومنسق شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بريت ماكغورك أوحى بأن التفاهم السعودي-الأمريكي حول القضايا التي تعنيهم ما زال بعيداً.
وإن توسعت التقارير في شرح أسبابها فَمردُّها إلى أن واشنطن لم تتجاوب مع رغبات القيادة السعودية بإحياء صفقات الأسلحة التي عُقدت أيام الرئيس دونالد ترامب، ولم توافق على إتمام صفقة طائرات الـ”إف-35″ وأسلحة الدفاع الجوي.
ولم تتوقف الإدارة الأمريكية عن استفزازها بالحديث عن قضايا حقوق الإنسان؛ خاشقجي وسعد الجبري من وقت لآخر. وصولاً إلى ضرورة وقف حرب اليمن بعد أن تجميد العقوبات على قياديين من جماعة الحوثي ورفعها عن لائحة المنظمات الإرهابية.
لذا فإن مهمة الجانب القطري قبيل الدخول في وحول لبنان الشائكة العمل على إحياء العلاقة السعودية-الأمريكية، وهذا ما قد يبدو مهمة أكثر من شاقة مقارنة بإصلاح علاقة لبنان مع الخليج.
الخشية الأوروبية من ضربة عسكرية
أوروبيّاً، أتى حث بريطانيا رعاياها على عدم السفر إلى لبنان، بالكثير من التساؤلات، حتى وردت في تقارير ومقالات بعض التأويلات القائلة باحتمال معرفة لندن بحدث أمني كبير سيحدث، بناءً على معلومات استخباراتية أو تقويمات محددة، فيما يستمر الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالتفكك، بما يرفع احتمالات تردي الأمن بشكل أوسع مما حصل خلال الشهور الماضية، سواءً كانت اشتباكات أو حوادث أمنية. وهذا كان متوقعاً قبل سنة، لا بل تأخر نتيجة عوامل اجتماعية بحتة. وهو وحده كافٍ لإصدار التحذير عينه.
يضاف إلى ذلك أن النظرة البريطانية حول احتمالات إعادة الاتفاق النووي ضعيفة وغير متوقعة، وبات الخيار العسكري الإسرائيلي مقلقاً. هناك سباق بين الجهود الأمريكية للعودة للاتفاق، ولو بشكل تدريجي، وبين القدرات الإيرانية في المجال النووي، ومعها القلق الإسرائيلي المتنامي.
وهنا ووفقاً للباحث في مركز كارنيغي للدراسات مهند الحاج علي، فإنه يبدو أن لدى الجانب البريطاني معلومات مُحددة، وربما بناءً على نقاشات مع مسؤولين إسرائيليين، حيال احتمالات الضربة، مهما كان شكلها، أكانت عسكرية مباشرة، أو أمنية الطابع كما حصل مع اغتيال محسن فخري زادة أبرز وجوه البرنامج النووي الإيراني.
ففي حال وقوع الضربة بأي شكل، مع عمليات قصف أو تفجير متزامنة، وعجزت طهران عن ردها المباشر، ألن تلجأ الى استخدام ورقتها اللبنانية؟
ذاك أن لبنان هو الاستثمار الأكبر والأنجح للجانب الإيراني، ولا قدرة تنفيذية كاملة سوى فيه، إذ إن الرد من سوريا ممنوع روسياً، ومن العراق مُعقّد لوجستياً وسياسياً كذلك. أصل الاستثمار الإيراني في لبنان، هو من أجل هذه اللحظة: أن يفتح وكلاؤها جبهة ضد إسرائيل حال وقوع الضربات ضدها.
أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]