الفقر يبتلع أبناءه في مصر

عربي بوست
تم النشر: 2019/08/19 الساعة 16:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/08/19 الساعة 16:36 بتوقيت غرينتش

من منزله في منطقة بشتيل بالجيزة إلى أول محطة ميكروباص بالشارع الرئيسي، يستغرق محمد صفوت نصف ساعة يومياً سيراً على الأقدام، بدلاً من ركوب التوك توك كما كان يفعل دائماً.

لم يعد صفوت، 46 عاماً، عامل نظافة بإحدى الصحف الخاصة بالمهندسين، يملك ميزانية التوك توك، كما حذف الكثير من البنود التي اعتاد إنفاقها قبل 2016.

راتبه من الجريدة كان 500 جنيه قبل تعويم الجنيه، هي في نظره أكثر من مرتبه الحالي الذي تضاعف. "قبل التعويم كنت أخصص 100 جنيه أسبوعياً لزيارة السوبر ماركت، أشتري الجبن والزبادى واللبن. كنت أخصص 100 جنيه شهرياً للفاكهة. حالياً لا أملك أكثر من 50 جنيهاً لزيارة السوبر ماركت كل أسبوع" .

يطير الراتب الضئيل في زيادات فواتير الكهرباء والغاز والمواصلات.
بعد قرار التعويم تغيرت ميزانية أسرة صفوت.

"أنا أحمل الألف جنيه من الصراف لزوجتي رأساً، ندفع أولاً الالتزامات الشهرية من إيجار وفواتير الكهرباء والغاز والمياه، ثم تصبح قضية الشهر بطوله تدبير أكل للأطفال" .
متوسط فاتورة الكهرباء كان 50 جنيهاً، الآن تصل إلى 130 جنيهاً.
سعر أنبوبة الغاز كان 20 جنيهاً، وصلت إلى 70 رسمياً.

"بطاقتي التموينية لثلاثة أفراد فقط، وباقي أولادي الثلاثة كل شهر أطلب إضافتهم ولا أستطيع". حصة عم صفوت وزوجته وبنته الكبيرة 3 كيلو سكر و3 كيلو أرز و3 زجاجات زيت، و 5 أرغفة للفرد يومياً.

بند آخر يسبب صداعاً في ميزانية أسرة صفوت وهو الدروس الخصوصية. كان يدفع لبناته الثلاث في الابتدائية والإعدادية 100 جنيه. يتنهد: الآن وصلت إلى 600 جنيه في الشهر.
العجز في ميزانية أسرة صفوت دفعه للبحث عن عمل آخر: "بعد ساعات العمل في الجريدة أعمل ستيوارد في كافيه في المهندسين بمرتب 1000 جنيه في الشهر" .
"ستيوارد" كلمة يطلقها المصريون على عامل النظافة في المحال السياحية.

يخرج محمد صفوت كل يوم من بيته في السادسة صباحاً ولا يعود قبل الواحدة بعد منتصف الليل، ليصنع معجزة البقاء على قيد الحياة مع أسرته، بمضاعفة دخله من عمله الأصلي.
تتكون أسرته من 6 أفراد.
ودخله بعد العناء المضاعف أصبح 2000 جنيه.
لكن ارتفاع أسعار السلع الغذائية غيّر حياة الأسرة.
يأكلون جبناً أقل، سعر كيلو الجبن كان 10 جنيهات وصل إلى 45.
حذفوا بند اللحوم نهائياً، "سعر لحم الجمال كان 50 جنيهاً للكيلو، الآن وصل إلى 130 جنيهاً".
وينتصرون على الجوع بأكل الكثير من الخبز، "ممكن آكل 5 أرغفة في الوجبة حتى أشعر بالشبع".

عرف صفوت أسواق الدرجة الثالثة في إمبابة لشراء الجبن والمعلبات بأسعار رخيصة، "هي سلع مدة الصلاحية أوشكت على الانتهاء، لكن أسعارها أرخص، مثلاً الجبن أشتريها بـ7 جنيهات".
لا تأكل الأسرة طعاماً مطهوّاً كل يوم، "أسعار الخضار واللحوم ما نقدرش عليها" .
رغم كل تلك الحيل لا تستطيع أسرة صفوت "تلفيق" ميزانية المنزل الشهرية. "تقريباً من يوم 20 في الشهر لا يتبقى مليم في البيت" .

بعد أن ينفد دخل صفوت، يتصل بزوجته قبل مغادرة العمل ليسألها عما تحتاجه، ويحاول تدبيره من البقشيش. "يعني أحاول أعمل خدمات للصحفيين، مشاوير، طلبات. أحياناً أي زبون في الكافيه يعطيني بعض البقشيش. ربنا كريم في الآخر".

يضحك صفوت ساخراً عندما يسمع أن الفقير هو من ينفق يومياً أقل من 25 جنيهاً ويقول: "أي مواصلة أكتر من 4 جنيه، والرغيف أصبح بجنيه كامل بدلاً من ربع جنيه".
يكرر: ربنا كريم.

محمد صفوت واحد من ملايين المصريين الذين ابتلعهم الفقر في السنوات الأخيرة.

علامات:
تحميل المزيد