يقال إن المصائب الكبرى تخلّف في الغالب فوائد عظيمة، وهذا ما بدأت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز واللاعبون الشباب في جنيه هذا الموسم، عبر الاستفادة من الارتفاع الهائل في قيم انتقالات اللاعبين النجوم، الأمر الذي أجبر كثيراً من الأندية للاعتماد على لاعبيها الشباب ممن هم في سنة 21 عاماً أو أقل.
الأمر الإيجابي أن فرق الدوري الإنجليزي الممتاز أدركت -مضطرة غالباً- في هذا الموسم القيمة الحقيقية للتركيز على الشباب، واستجابت بالتالي لما كان الكثير من المشجعين يطالبون به طوال السنوات الماضية، وهو إعطاء الفرصة للشباب الإنجليز بدلاً من إنفاق الأموال الطائلة على مجموعة من أشباه النجوم في منتصف العمر المبالغ في أسعارهم والذين لا يفيدون الفرق التي يلعبون لها في الغالب.
ما لم يكن مسؤولو الأندية الإنجليزية يدركونه فيما سبق تلك الروح الوطنية لدى المشجعين، وميلهم للتباهي بنجوم بلدهم، فمثلاً سيحب مشجعو توتنهام المهاجم هاري كين بغض النظر عن أي شيء؛ لكنهم يشعرون بسعادة معينة جراء الإعجاب بـ “واحدٍ منهم”. فيما سيسعد محبو تشيلسي كثيراً برؤية تامي أبراهام وماسون ماونت متألقين في الفريق، بعد أن سجلا معظم أهداف تشيلسي في هذا الموسم حتى الآن، مع احتمال آخر أمام ريس جيمس للحصول على فرصة في موقع الظهير الأيمن.

وقد أجبرت رسوم الانتقال المتضخمة (وحظر استقدام اللاعبين بالنسبة لتشيلسي) نوادي الدوري الإنجليزي الممتاز على التأني في قراراتها؛ لكنَّ ثمة إدراكاً لأن المخاطر قصيرة المدى الناجمة عن ضم لاعب يافع قد تجلب منفعة طويلة المدى أكبر بكثير من أي استثمار مالي كبير.
وقالت صحيفة The Guardian البريطانية إنه على الرغم من أن رسوم الانتقالات في أوروبا بشكل عام أصبحت أعلى من أي وقت مضى، كان مجموع إجمالي المنفق في الدوري الإنجليزي الممتاز خلال هذا الصيف، أقل بما يقارب 300 مليون جنيه إسترليني (366 مليون دولار تقريباً) عن الصيف الماضي، كما يعد الرقم هو الأقل منذ 5 أعوام.
وبعد 4 جولات مضت من الدوري حتى الآن، يمكن بوضوح ملاحظة أن اللاعبين الشباب يحصلون على أدوار أكبر مما حصلوا عليه في السنين الماضي.
ففي الموسم الحالي حصل اللاعبون في سنة 21 عاماً أو أقل على ما نسبته 10% من إجمالي دقائق اللعب خلال الدوري الممتاز، وهذه النسبة أكبر من أي وقتٍ مضى في الدوري على مدار العقد الماضي.
ومع العلم أننا لا نزال في شهر أغسطس/آب، فهناك احتمالية لأن تنخفض نسبة الدقائق التي يلعبها من هم أقل من 21 مع استمرار الموسم وتقدم اللاعبين في العمر، وكثير منهم سيبلغ 22 سنة.
ومع ذلك، يظل وقت مشاركة اللاعبين الصغار خلال هذا الشهر أعلى مما كان عليه في أغسطس/آب من أي عام في العقد الماضي.
ومن الباعث على السرور بشكل خاص أن نرى العديد من الأندية “الستة الكبار” تمنح وقتاً كبيراً للاعبيها الشباب.
إذ ضمت قائمة الأرسنال لمباراته الافتتاحية في مدينة نيوكاسل مراهقَين هما: ريس نيسلون وجو ويلوك، فيما ظهر جابريل مارتينيلي البالغ 18 عاماً جالساً على دكة الاحتياط. ولعب آينسلي ميتلاند نايلز، الظهير الأيمن البالغ من العمر 21 عاماً كل دقيقة من هذا الموسم حتى الآن.

وفي مانشستر يونايتد، لعب كل من آرون وان بيساكا ودانيال جيمس وماركوس راشفورد وماسون غرينود في المباريات الأربع. وكذلك، كان أبراهام وماونت وكريستيان بوليسيتش في تشيلسي، وترنت ألكساندر أرنولد في ليفربول جميعاً لاعبين رئيسيين في الفريق الأول.
ويمنح إيدي هاو الشباب فرصاً كثيرة في بورنموث، حيث حل آرون رامسدالي، أحد حراس المرمى الشباب، محل حارس شاب آخر، وهو مارك ترافيرس، فيما تألق كريس ميفام في وسط خط الدفاع.
أما أجرأ استثمار في الشباب، فكان من نصيب نورويتش، إذ وضع دانيل فاركي، مدير النادي، ثقته في الشباب الذين ساعدوا النادي في التأهل للدوري الممتاز.
ووفقاً لهذه الثقة أصبح ماكس آرونز البالغ من العمر 19 عاماً، وبين جودفري البالغ من العمر 21 عاماً، وجمال لويس البالغ من العمر 21 عاماً أيضاً، يشكلون ثلاثة من رباعي خط الدفاع الأساسي، بينما لعب تود كانتويل ذو الـ 21 عاماً، والذي أحرز هدفاً في شباك تشيلسي في الأسبوع الماضي، بدوره كل دقيقة من هذا الموسم حتى الآن.
يندر أن يبدأ مديرٌ أول مواسمه في الدوري الإنجليزي الممتاز بمثل هذا الفريق اليافع؛ لكن تشير بداية نورويتش -التي تضمنت فوزاً كاسحاً على نيوكاسل- إلى أن الخبرة ليست بالضرورة سبباً مؤهلاً للعب في أهم المباريات.
كذلك يمكن رؤية التأثير الإيجابي طويل المدى على المنتخب الوطني، نظراً لحقيقة أن كافة اللاعبين العشرة البالغة أعمارهم 21 عاماً فأقل، ممن لعبوا كل دقيقة في هذا الموسم من الدوري الإنجليزي الممتاز هم من الإنجليز.
هل هذه بداية النهاية للرسوم الهائلة لانتقال اللاعبين؟ على أغلب الظن لا؛ لكن مما لا شك فيه أن المديرين سيتشجعون للمراهنة على المواهب الشابة بدلاً من إلقاء 30 مليون جنيه إسترليني (33 مليون دولار أمريكي تقريباً) على لاعب في منتصف عقده الثالث، وإذا استمرت تلك السياسة فسوف تضمن لنا على الأقل تحسين مستوى هذه الرياضة ودعم التنافسية فيها.