هل تحسم الصين حرب تقنية الجيل الخامس بالضربة القاضية عبر قرار محكمة «أمريكية»؟

لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الريادة في تحديد الاتجاهات فيما يتصل بالشبكات والاتصالات، إلا أن ذلك الأمر مهدد بشدة من جانب الصين، واللافت أن الضربة القاضية لصالح بكين ربما تأتي من النظام القضائي الأمريكي ذاته، فما هي القصة؟

مجلة ذا ناشيونال إنتريست الأمريكية نشرت تقريراً حول القصة بعنوان: “كيف يمكن لحكم محكمة خطير أن يمنح الصين اليد العليا في تقنية الجيل الخامس؟”.

لمَن الريادة في المجال التقني؟

رغم العجز التجاري المزمن الذي تعانيه الولايات المتحدة في منتجات التكنولوجيا المتقدمة، فإنها لا تزال رائدة تحديد الاتجاهات فيما يتصل بالشبكات والاتصالات. كما أن الشركات الأمريكية حالياً في أتون معركة مع الشركات الصينية الخاضعة لتأثير الدولة في الصين مثل هواوي، ومن شأن هذه المعركة أن تحدد ما إذا كانت الهيمنة الأمريكية على هذا القطاع ستستمر في عصر اتصالات الجيل الخامس.

وتعد تقنية الجيل الخامس القفزة الكبيرة التالية في شبكات المحمول، وهي سلسلة من التقنيات ستوفر للمستخدم تحسينات كبيرة على السرعة وسعة الحزمة، والموثوقية، وذكرت وزارة الدفاع الأمريكية أن الجيل الخامس مهمةٌ للغاية للتطبيقات العسكرية المستقبلية، مثل المركبات ذاتية القيادة، وأجهزة الاستشعار متعددة الأطياف، والروبوتات القتالية.

ماذا حدث؟

إنّ البت فيما إذا كان الاقتصاد الأمريكي والمقاتلات الأمريكية ستستفيد استفادةً كاملة من الجيل الخامس يتوقف في جزء كبير منه على الجهة التي ستضع المعايير وتقدم التقنية الأساسية. بشكل عام، كانت الشركات الأمريكية هي من وضع قواعد اللعبة لإدخال تقنيات الجيل الثالث والرابع، غير أن المؤشرات تدل على أن معركة وضع قواعد الجيل الخامس هي معركة صفرية بين شركات التقنية الأمريكية ومنافسيها الصينيين.

ولكن، في خلفية هذا الصراع، أصدرت محكمة فيدرالية محلية قراراً في مايو/أيار الماضي، يهدد بتقويض المزايا التي تتمتع بها الشركات الأمريكية في سباق الجيل الخامس، وتقدم نصراً مبكراً  للصين. انتهت المحكمة إلى أن شركة كوالكوم الأمريكية، التي تعد رائدة الجبهة الأمريكية في معركة تقنية الجيل الخامس، تنتهك قانون مكافحة الاحتكار، ووجَّهت الشركة لتقديم محفظة استثماراتها من براءات الاختراع إلى المنافسين بأثمان بخسة. 

ما خلفيات قرار المحكمة؟

لم تعترض القاضية لوسي كوه، التي كتبت القرار، على ملكية كوالكوم للتقنيات محل النزاع. ذلك أن استخراج التراخيص للتكنولوجيا الحاصلة على براءة اختراع لصالح منتجي الهواتف الذكية وغيرها من شركات التقنية كان منذ زمنٍ سمةً أساسية لنموذج الأعمال الذي تتبعه الشركة. غير أنها انتهت إلى أن إخفاق كوالكوم في مشاركة تلك التكنولوجيا بأسعار “أكثر عدالة” يرقى إلى مستوى يسمح باعتباره سلوكاً مخالفاً لقواعد المنافسة، وهو السلوك المحظور بموجب قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890، وما تلاه من معايير فيدرالية.

واستندت المحكمة في حكمها إلى قضية رفعتها مفوضية التجارة الفيدرالية في الأيام الأخيرة لرئاسة باراك أوباما. غير أن بعض الجهات الفيدرالية الأخرى شعرت بالاندهاش من تداعيات قرار القاضية كوه، ذلك لأن القرار ينص في الواقع على أن تمنح كوالكم للمنافسين الصينيين ما لديها من تقنيات بأثمان بخسة. على الفور استأنفت ثلاث جهات حكومية من الوزن الثقيل على الحكم الصادر في القضية.

كيف اعترضت الحكومة الأمريكية؟

رأت وزارة العدل الأمريكية أن المحكمة قد ارتكبت “أخطاء جوهرية” في تحليلها للأمر، وأساءت تطبيق قانون مكافحة الاحتكار، وفرضت إجراءات تصحيحية مبالغاً فيها، دون اعتبار الكيفية التي ستتأثر بها أطراف أخرى. وحذَّرت وزارة الدفاع من أن “أي تعطيل في توفير منتجات كوالكم أو خدماتها أو أعمال الأبحاث والتطوير التي تقوم بها إلى الحكومة الأمريكية، حتى ولو لفترة قصيرة، يمكن أن يكون له تأثير ضار على الأمن القومي”.

 وذكر كبير المسؤولين الإعلاميين بوزارة الطاقة الأمريكية في الاستئناف المقدم من جانبه، أن “وزارة البيئة تعتقد أن أي إجراء عقابي من شأنه أن يسبب ضغطاً مالياً على كوالكم يمكن أن يؤدي إلى تقويض موقفها في سوق الجيل الخامس المتنامية (بالإضافة إلى غيرها من أسواق الاتصالات)، ويمنح جهات أجنبية، وصينية على وجه الخصوص، مكانة السيادة في تطوير تقنية الجيل الخامس وتوسعتها”. وأشارت وزارة الطاقة بالتحديد إلى مسؤوليتها عن إدارة برامج الأسلحة النووية الأمريكية، في إطار وصفها للتبعات السلبية لقرار المحكمة.

ما تبعات قرار المحكمة حال تثبيته في الاستئناف؟

ليس ثمة شكٍّ في أن قرار المحكمة، في حال نفاذه، ستكون له تبعات بالغة السوء على كوالكم، ذلك أن الشركة تعتمد في الكثير من أرباحها على استصدار تراخيص الملكية الفكرية. الأمر غير المألوف في حكم المحكمة هو أن امتلاك الملكية الفكرية ليس محل نقاش، بالإضافة إلى إصرار المحكمة على لزوم مشاركتها بسعر أقل من منافسي كوالكم. وترجع غرابة هذا الحكم إلى أنه حتى في الحالات التي يثبت فيها عمل الشركات بشكل يتسم بالاحتكار، فإن الجهات الرقابية يندر أن تصرّ على إلزامها بمشاركة التقنية الواقعة ضمن ملكيتها الفكرية مع منافسين مباشرين لها. ولا توجد أي سابقة قانونية حدث أن ألزمت فيها شركة تكنولوجيا أمريكية بتقديم ما لديها من ملكية فكرية إلى منافسيها المحليين المعادين لها.

ولا يمكننا أن ننعت كوالكم بالاحتكار بالمعنى الدقيق للكلمة، غير أنه من المعروف أنها تؤدي دوراً فريداً في قطاع الاتصالات، هو دور لا يحتمل أن تملأه أي شركة أمريكية أخرى فيما يتعلق بوضع قواعد استخدام تقنية الجيل الخامس. غير أن الشركات الصينية، وعلى رأسها هواوي، يمكنها على الأرجح أن تسد الفراغ الذي ستخلفه كوالكم، وبالتالي فإن حكم المحكمة يمنح ميزة تنافسية ضخمة وغير مستحقَّة للصين في سباق الجيل الخامس.

 ويأتي حكم المحكمة المشار إليه ضمن سلسلة من العمليات المحلية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، التي تساعد منافسي الولايات المتحدة وتضر بالأمن القومي، وقد تكرر هذا النمط عدة مرات، أبرزها حين سُمح للصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية دون أن تؤكد على التزاماتها بشأن التجارة الحرة.

في هذه الحالة، تكون حصون الأمن العسكري والاقتصادي الأمريكي مهددة من الداخل. ولهذا تتعلق الآمال بأن تدرك محكمة الاستئناف الآثار المدمرة لقرار المحكمة في قضية كوالكم، وتتخذ قراراً يتسق بشكل أكبر مع المعايير التقليدية لقانون مكافحة الاحتكار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top