مستشفيات كورونا التي بُنيت خلال أيام بلا مرضى! لماذا أصبحت شفافية الصين حول إدارتها للأزمة محل تشكيك؟

أصبح المستشفيان الجديدان اللذان بَنَتْهما الصين في غضون أسابيع قليلة، الواجهة الرسمية في حربها ضد فيروس كورونا المستجد في ووهان. تقول صحيفة The Guardian البريطانية، إنه مع إغلاق المدينة بالكامل بعد تفشي الفيروس، تعهدت السلطات بأنَّ آلاف الأطباء سيكونون متوافرين لعلاج 2600 مريض في غرف المنشأتين. 

ورصدت فيديوهات مُجمَّعة لصور، عملية البناء فائقة السرعة للمستشفيَين اللذين احتفل الإعلام بافتتاحهما صباح الجمعة 7 فبراير/شباط. لكن بعد مرور أسبوع على ذلك، لا يزال المستشفيان ينقصهما شيء واحد، وهو المرضى.

مستشفيات “كورونا” بلا مرضى!

عقب 4 أيام من افتتاح مستشفى ليشنشان الكبير، الذي تبلغ سعته 1600 مريض، لم يودع به سوى 90 مريضاً، لكنه أبلغ عن عدم وجود أسرَّة فارغة به، وذلك بحسب بيانات السلطات الصحية في مدينة ووهان والتي نقلتها لأول مرةٍ مجلة Caixin الصينية. أما المستشفى الآخر، هوشنشان، فلم يجد بعدُ من يشغل أسرَّته الألف رغم مرور أسبوع على افتتاحه!

مستشفى ليشنشان الكبير، الذي تبلغ سعته 1600 مريض، لم يودع به سوى 90 مريضاً!

وفي هذه الأثناء، كانت الصين تقيم مستشفيات طوارئ بقاعات العرض والملاعب الرياضية، ومع ذلك كان المسعفون يعيدون بعض المرضى إلى منازلهم؛ لعدم توافر أماكن. إضافة إلى ذلك، لم تنشر الصين أي مستشفيات ميدانية في ووهان، مع أنها تمتلك أكبر جيش بالعالم. 

فجوة بين الرؤية والواقع

تذكّرنا الفجوة بين الرؤية الصينية المتمثلة في بناء مستشفيات جديدة ضخمة والإسراع بتشغيلها في غضون أيام، والواقع الأكثر تعقيداً، بواحد من أهم التحديات التي تواجهها بكين في إطار سعيها لاحتواء تفشي كورونا المستجد؛ وهو نظامها الحكومي الاستبدادي السري وجهازها الدعائي ورقابتها المشددة.

إلى جانب أنَّ أجهزة الحزب الشيوعي المعبَّأة جيداً لسحق المعارضة تتكتم على التحذيرات المشروعة. ولا يمكن كذلك الاعتماد على نظام دعاية مُصمَّم لدعم الحزب والدولة، للحصول على معلومات دقيقة. ويمثل هذا مشكلة، ليس فقط للعائلات التي أحلَّت بها فاجعة فيروس كورونا المستجد والشركات التي دمرها الإغلاق المفاجئ، لكن بالنسبة لعالم يحاول تقييم مدى نجاح بكين في السيطرة على المرض واحتوائه.

ممرضات يتناولن العشاء في مستشفى ليشينشان الجديد في ووهان قبيل الاستعداد لاستبقال المرضى في 8 فبراير 2020/ وكالة الأنباء الصينية

في هذا السياق، قال هو-فنغ هانغ، بروفيسور الاقتصاد السياسي في جامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة، “نظام الصين المركزي وغياب حرية الصحافة يعرقلان -بلا شك- استجابة حازمة مبكرة ضرورية حين لا يزال بالإمكان احتواء الفيروس على المستوى المحلي”.

وبالتأكيد، أعلنت بكين عن ظهور فيروس كورونا المستجد أسرع بكثير مما فعلت مع أزمة سارس (2002-2003)، وشاركت كذلك كميات كبيرة من المعلومات؛ وهو ما قوبل بإشادة من منظمة الصحة العالمية لهذه الشفافية. لكن بدأ يتضح أنَّ الحكومة المحلية كانت منخرطة في محاولة مُنسَّقة للتستر على الأزمة خلال الأسابيع الأولى من اندلاع المرض؛ وهو ما سمح بتفاقمها، في وقت كان من الأسهل فيه بكثيرٍ احتواؤه.

ونتيجة لذلك، فُصِل مسؤولان صينيان؛ إذ أقرَّ عمدة ووهان بالفشل، في مقابلة مباشرة على شاشة التلفزيون الوطني، وأرسلت الحكومة المركزية فريقاً للتحقيق في علاج الطبيب لي وين ليانغ، أول من أصدر تحذيراً من انتشار الفيروس، بعد إصابته به.

عاقَبوا الطبيب الذي اكتشف المرض!

كانت قوات الأمن الصينية قد عاقبت الطبيب “لي” (34 عاماً)؛ لمحاولته تحذير الزملاء من مخاطر الإصابة بمرض جديد خطير، في نهاية ديسمبر/كانون الأول. وبعد أكثر بقليل من شهر، أصبح هذا الطبيب أحد أصغر الضحايا الذين فقدوا أرواحهم بسبب الإصابة بفيروس كورونا المستجد. وجعلته وفاته اسماً مألوفاً، وأثارت نقاشاً نادراً في الصين حول حرية التعبير.

وفي مقال مرير، ألقى مفكر معارضٌ اللوم على الرئيس شي جين بينغ في اندلاع هذه الأزمة، مشيراً إلى أنَّ المركزية الصينية وثقافة الصمت كان لهما دور رئيسي في انتشار المرض.

زهور أمام صورة للطبيب لي وين ليانغ الذي اكتشفت فيروس كورونا في مستشفى في ووهان/ أ ف ب

وكتب شو جنغرون، في مقاله بعنوان Viral Alarm, When Fury Overcomes Fear، بحسب ترجمة جيريمي بارمي المنشورة على موقع ChinaFile: “بدأ ذلك بفرض حظر صارم على الإبلاغ عن معلومات حقيقية؛ وهو ما ساعد في تشجيع الخداع، على جميع المستويات داخل الحكومة”. 

أضاف المفكر: “تفاقمت الأزمة لدرجة كبيرة عندما تهرَّب البيروقراطيون في جميع أركان النظام من مسؤولية الكشف عن حقيقة الوضع؛ لمواصلة نيل استحسان رؤسائهم. ووقفوا جميعهم من دون مبالاة، في حين تغلَق نافذة الفرص الحاسمة للتعامل مع اندلاع العدوى، في وجوههم”.

جدير بالذكر أنَّ مشكلة المسؤولين الذين يحاولون التستر على الفضائح أو الأخطاء ليست قاصرة من نوعها على الصين. ومن دون وجود صحافة حرة أو انتخابات أو مساحة كبيرة للمجتمع المدني، لم يتبقَّ أمام المواطنين سوى سبل قليلة لمحاسبة حُكّامِهم. وبدلاً من ذلك، لا يلتزم المسؤولون المحليون إلا تجاه الحزب، الذي يقدس الاستقرار والنمو الاقتصادي.

“المحرّك هو فعل ما يريده الحزب”

من جانبه، قال البروفيسور ستيف تسانغ، مدير Soas China Institute التابع لمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية البريطانية: “الصين ليست دولة فقيرة، وتديرها بصفة عامةٍ حكومة ذات كفاءة. لكن محركات مسؤولي الصحة (على سبيل المثال) ليست الاستجابة لأزمات الصحة العامة في ووهان أولاً وقبل كل شيء؛ بل المحرك هو فعل ما يريده الحزب (الشيوعي الحاكم)، وعدم إحراجه”.   

إنَّ تكلفة محاولة السيطرة على فيروس كورونا المستجد عند ظهوره لأول مرة -من خلال تحركات رفيعة المستوى لإغلاق السوق حيث نشأ الفيروس، وإعدام الماشية، وعزل الضحايا وتعويضهم، وتلغي الاحتفالات الجماعية للعام الجديد- قد تبدو مغامرة محفوفة بالمخاطر مقابل مكافأة صغيرة.

تم بناء المستشفيان الجديدان في ووهان خلال وقت قياسي، حرصت الحكومة الصينية على إبراز هذا الحدث إعلاميا بشكل كبير/ Getty

قال تسانغ: “كان يمكن أن يضع ذلك النهاية للفيروس، وربما لا. لكن إذا أوقفت الفيروس عن التطور، فلن يعود لديك ما تفصح عنه. فقد سحقت مصدر تهديد محتمل كأنه لم يكن”.

وأضاف أنه حتى عندما خرجت الحكومة عن مسارها التقليدي وأعلنت عن الأزمة، بدا أنها تركز على إدارة صورتها أمام العالم بقدر تركيزها على التعامل مع المرض. إذ كان يمكن أن تنشر فرقاً طبية وتقيم مستشفى ميدانياً في ووهان بين عشية وضحاها تقريباً بدلاً من بناء مستشفيات جديدة.

شفافية بكين محل تشكيك مجدداً

من غير الواضح لماذا اختارت بكين عدم القيام بذلك. لكن البلد الذي ينشئ مستشفيات ميدانية سيبدو كأنه عالق في أزمة، أما الحكومة التي تبني مستشفيات جديدة ضخمة فتظهر بمظهر من يتحكم في زمام الأمور. وقال تسانغ: “عشرة أيام هي فترة طويلة للغاية عندما تنظر إلى أزمة صحية عامة من هذا القبيل. لكن مستشفى جديداً مبنياً من الألف إلى الياء (في هذه المدة)، هذا رقم قياسي عالمي”.

ولا تزال الأسئلة العالقة حول شفافية الصين تخيم على الجهود المبذولة لمواجهة الفيروس. إذ يشعر بعض العلماء بالقلق من انتشاره في مناطق أخرى أصبحت مراكز جديدة للمرض. إذ أبلغت مقاطعتا جيجيانغ وقوانغدونغ -كلتاهما مركز صناعي- عن وجود أكثر من 1000 حالة إصابة فيهما، والشيء نفسه أيضاً في مقاطعة خنان.

ويتجاوز هذا الرقم عدد الحالات المُبلَّغ عنها في مقاطعة هوبي عندما أعلنت الصين إغلاق ووهان في يناير/كانون الثاني. لكن مع تعثُّر الاقتصاد بشدة بسبب الإغلاق الطويل، تحث السلطات الصينية الناس على البدء في العودة إلى العمل “بانتظام” في تلك المناطق.

وأثيرت شكوك أيضاً حول مدى دقة إحصائيات حالات الإصابة، بعدما أبلغت عديد من العائلات أنها عانت لإخضاع ذويها المرضى للفحص.

قد تكون إحصائيات الفحوص الطبية دقيقة، وقد تكون تدابير مكافحة الأمراض المُطبَّقة في أماكن أخرى فعالة بما يكفي للسيطرة على فيروس توصَّل العلماء إلى فهم عنه أفضل بكثير مما كانوا عليه قبل بضعة أسابيع. لكن إذا لم تستطع الصين معالجة أوجه القصور في نظامها والتي سمحت للوباء بالتفاقم في الأصل، فقد تواجه صعوبة في السيطرة على تفشي هذا الفيروس، وتجنب أية أزمة تالية، وكسب الثقة والتعاون العالميَّين اللازمين لمكافحة المرض.

وهنا علَّق هانغ: “ليس هناك حل سريع واحد لإصلاح النظام الصيني وتحسين استجابته في مواجهة أية أزمة مستقبلية. لكن إذا كان هناك أي عامل من شأنه زيادة سرعة استجابة الحكومة لمثل هذا النوع من الأزمات فهو حرية الإعلام”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top