منذ بدايات القرن الماضي تشكلت في مصر تيارات سياسية تداخلت دوائرها وتشابكت، وعبر كل منها بشكل أو بآخر عن مصالح ومواقف ورؤى فئات وطوائف مختلفة من المجتمع، ولسوء الطالع فهذه التيارات لم تعرف يوماً التعاون أو التضافر لتحقيق مطالبها، رغم أن هذه المطالب إن لم تكن متطابقة على الدوام فهي غير متخاصمة أو متناقضة إجمالاً.
عرفت مصر الإسلاميين والقوميين والشيوعيين والليبراليين وقد شكلوا في مجموعهم ما وصفه المفكر الكبير طارق البشري بالتيار الأساسي للأمة، الذي تولد تلبية لمتطلبات مجتمعية وانسجاماً مع توجهات فكرية وثقافية تشكلت في إطار صراع محتدم على مدار عقود طويلة من أجل جملة من المبادئ العامة، أهمها الاستقلال الوطني، والوحدة والحرية، والعدالة والتنمية.
ظلت الاختلافات الأيديولوجية، وخاصة تلك المتعلقة بالهوية والرؤية الخاصة لتحقيق هذه المبادئ، حائلاً دون تفاهم بشأن حد أدنى من الاتفاق على قواسم مشتركة في ظل تمسك كل طرف بأولوياته واعتقاده بأنه يملك الحقيقة المطلقة، وهذه طبيعة الأيديولوجية التي تغذي معتقديها بتصورات دوجمية يستحيل معها تصور الطرف المقابل للحقيقة عند الآخر المختلف.
ففي عشرينيات القرن الماضي كان حزب الوفد بأفكاره الليبرالية يقود الحياة السياسية في مصر، وإلى جواره برزت الحركات الشيوعية الناشئة، وأسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين بعد أعوام من سقوط الخلافة الإسلامية، وبدأت طلائع عروبية خاصة من الجالية الشامية تضع بذور الفكرة القومية للتمايز عن قوميات أخرى كانت تضمها الأمة الإسلامية المفككة آنذاك.
وقد اتفقت هذه التيارات جميعا على مبدأ الاستقلال عن المحتل الإنكليزي وتقوية الجبهة الداخلية عبر عملية تحديث وتنمية للمجتمع اختلفوا في مرجعياتها والأخذ بأسبابها مع جملة اختلافات أخرى حول حدود الحرية والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن سؤال الهوية الذي ظل جوابه محيراً وبعيد المنال حتى يومنا هذا.
وبعد نجاح حركة الضباط الأحرار في تحويل انقلابها العسكري إلى ثورة جماهيرية تمدد التيار الاشتراكي على حساب التيارات الأخرى، فلم يعد هناك وجود لحزب الوفد ولا للأحزاب الأخرى وتم حل جماعة الإخوان المسلمين ، وفتحت لأعضائها وقياداتها وقيادات الحركة الماركسية السجون، وأغلقت أبوابها عليهم معاً، ولم تفتح إلا في السبعينيات وبعدها لعب النظام على إقامة توازنات بين هذه التيارات وجرت عمليات تقريب وإبعاد محسوبة.
وعندما فوجئت هذه التيارات بنزول الملايين إلى الشوارع والميادين للمطالبة برحيل النظام في يناير/كانون الثاني 2011 ونجاحهم في إرغام حسني مبارك على التخلي عن السلطة لم يجد ممثلو هذه التيارات غضاضة في أن يتسلم السلطة المجلس العسكري الممثل ليد الدولة الخشنة، ولم يكن لديهم الجرأة ولا الرغبة في الاعتراض على هذا الوضع الذي أسس لامتصاص الثورة واحتوائها وضياع الفرصة التاريخية لإحداث التغيير المنشود.
في البحث عن أسباب هذا الرضا ستجد إلى جانب خديعة المجلس العسكري لشركاء الثورة وعدم جاهزيتهم لتقديم البديل المقبول للسلطة هناك السبب الأهم من وجهة نظري، وهي حالة الفوبيا المتبادلة بين التيارات السياسية تجاه بعضها البعض.
فقد حرص النظام طوال الوقت، سواء في وجود مبارك أو بعد رحيله، على أن يطرح نفسه الطرف الأقرب للتيارات الأربعة من بعضها البعض وعندما تمدد التيار الإسلامي شعوبياً على حساب التيارات الأخرى، وبرز ذلك واضحً بعد ثورة يناير جرت عملية كبرى لاحتوائه ثم الانقضاض عليه بالاستعانة بالتيارات الأخرى.
كان تحول المعركة مبكراً من صراع بين ثورة ونظام حكم متداعٍ تهاوى رأسه وبقي جسده إلى صراع بين الإسلاميين وغيرهم من التيارات هو الثغرة التي أصيبت منها الثورة في مقتل، حيث حاول أصحاب المصلحة في التغيير الاصطفاف إلى جانب بقايا النظام القديم لكسب معركته ضد الآخر المختلف.
أبداً لم يكن الخوف على إسلامية الدولة أو مدنيتها هو المحرك الحقيقي للصراع، وإنما كان الإرث الطويل للكراهية والتوجس وانعدام تجربة العمل المشترك هي الحواجز الخرسانية أمام أي قواسم مشتركة لعمل موحد من أجل إنجاح الثورة.
والمعنى أننا عشنا أجيالا نفتقد لمشروع وطني جامع ورؤية مشتركة لبناء الدولة التي نرغب الحياة فيها على أسس مغايرة لتلك التي قامت عليها منذ عهد محمد علي حيث الشرعية للقوة ولمن يحمل السلاح وليست للكفاءة أو من يمتلك الرؤية والقدرة على الإنجاز.
هذا المشروع الوطني المنشود هو في معناه البسيط الترجمة العملية لشعارات ثورة يناير عن الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهو جملة المبادئ والتوجهات والقوانين والانحيازات التي تمكن لهذه الشعارات وتفسح لها المجال للوجود على أرض الواقع.
هذا المشروع ينطلق من حقيقة أن العالم كله تجاوز صراع الأيديولوجيات، فلا الغرب ظل متمسكا برأسماليته ولا الشرق بات مصراً على شيوعيته، وإنما أخذ كل من الآخر فسدد الغرب ثقوب رأسماليته بمبادئ العدالة الاجتماعية وعرف الشرق النمو الاقتصادي من أصول الفردية الرأسمالية.
وعلى الرغم من أن تراثنا العربي والإسلامي زاخر بالتجاوب مع آخر ما توصل اليه الفكر البشري وأقرته التجربة الإنسانية والإفادة منه بعد الإضافة والحذف اللازمين للتوافق مع قيم ومبادئ المجتمع، فإننا لا نكاد نجد لذلك صدى في تاريخنا الحديث.
فلم نتفق يوما على رؤية عامة للحياة تستوعب التجارب الإنسانية، ولا تصطدم مع موروثنا وتمثل نقاط التقاء للتيار الرئيسي في مصر فتستجيب لتطلعات الليبراليين إلى الحرية، والاشتراكيين إلى العدالة الاجتماعية، والإسلاميين إلى منظومة الدين الأخلاقية، وتجري عملية تفاضل وتكامل بين أولويات كل تيار عبر حوارات متداخلة حتى يتم الاتفاق على صيغة للحياة مقبولة من الجميع في خطوطها العريضة على الأقل.
وإذا كانت الاشتراكية الديمقراطية قد ظهرت في أوروبا كبديل ثالث للرأسمالية بتوحشها والشيوعية بفوضويتها، فلن نعدم طريقا مماثلا تلتقي عليه الغالبية على تذويب الخلافات الأيديولوجية ومحو حصادها المر من الذاكرة الوطنية على أن يقوم كل فريق بعمل مراجعات جادة لمواقفه ورؤيته للآخر والتخلي عن نظريات التخوين واحتكار الحقيقة.
إذا توفرت لدى الغالبية من الأجيال الجديدة هذه الرؤية فسيتولد لدينا تيار وطني عام وكاسح تتجاور وتتلاقى في خطابه السياسي مفردات العدالة الاجتماعية والحريات العامة والحلال والحرام، وستكون لدينا القدرة على التوحد والعمل المشترك لإنجاح تجربة التغيير المنشود، ولن تجد الأنظمة المستبدة تلك الثغرات التي نفذت من خلالها لتصفية الثورات.
ويبقى أن هذا المشروع الوطني الجامع يحتاج إلى جهد ومثابرة للتعريف بأهميته أولاً لضبط الأداء الحركي للجماهير الثائرة، وثانيا لرسم خطوط المستقبل الذي نسعى للوصول إليه، وشكل الدولة التي نأمل العيش في كنفها باختلافاتنا واتفاقاتنا والأمل هذه المرة معقود على الشباب لتمهيد الأرض، وبعث الحياة لشعارات ثورة يناير المغدورة.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.