هل يكون إسقاط الطائرة الأوكرانية شرارة الحرب بين طهران وواشنطن؟ ربما، رغم أن التاريخ يقول “لا”

إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية بصواريخ الحرس الثوري الإيراني تكرار لكارثة مشابهة وقعت قبل نحو 32 عاماً، حينما أسقطت الصواريخ الأمريكية طائرة مدنية إيرانية؛ وهو ما أدى إلى وضع نهاية لحرب مدمرة، فهل يتكرر ذلك الآن أم أن العكس تماماً هو ما قد يحدث؟

مجلة ذا ناشيونال إنتريست الأمريكية نشرت تقريراً، بعنوان: لماذا تخبرنا إحدى حوادث التاريخ بأن نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران ما يزال ممكناً”، رصدت فيه أوجه الشبه بين الكارثتين.

التاريخ يكرر نفسه

الآن وقد اعترفت إيران بإسقاط طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية الرحلة رقم 752، فهل يمكن أن تطرح هذه المأساة فرصة لتهدئة صراعها مع الولايات المتحدة التي هددت لتوِّها بإشعال المنطقة؟

يشير التاريخ إلى أن ذلك جائز الحدوث. إذ يذكِّرنا هذا الحادث إلى حد كبير بإسقاط الرحلة الجوية الإيرانية 655 عام 1988، التي وقعت أيضاً في أثناء مرحلة “ملتهبة” من الصراع الأمريكي-الإيراني، وفتحت الباب لإنهاء الحرب الثالثة الأكثر فتكاً في القرن العشرين.

ففي صباح يوم 3 يوليو/تموز من ذلك العام، كان طراد الصواريخ الموجهة الأمريكي USS Vincennes (CG-49) عائداً إلى الخليج بعد مرافقته قافلة ناقلات في مضيق هرمز. وبعد تلقيه بلاغاً من سفينة حربية صديقة بهجوم وشيك على سفينة تجارية، عاد الطراد “فينسينز”، بقيادة الكابتن ويل روجرز، إلى المضيق، وفي الطريق سُمعت “انفجارات” قادمة من الاتجاه نفسه.

تفاصيل ساعات التوتر 

على مدار عام تقريباً، كانت الولايات المتحدة تنفذ عملية Earnest Will في الخليج، رداً على “حرب الناقلات” المتصاعدة بين نظام العراق البعثي بزعامة صدام حسين وجمهورية آية الله الخميني الإسلامية. وكانت حرب الناقلات آخر فصول حرب الضغينة التي استمرت حينها ثماني سنوات بين قوتين لهما ثقلهما بالشرق الأوسط، وأدت في النهاية إلى موت مليون شخص. وحينها فقط، أصبحت سفن الشحن المحايدة عالقة في مرمى النيران.

وبعد أن أصيبت فرقاطة أمريكية بصاروخ مضاد للسفن أطلقته القوات العراقية في مايو/أيار عام 1987؛ وهو ما أسفر عن مقتل 37 شخصاً، وافقت إدارة ريغان على بدء حملة Earnest Will، التي كان من بين مهامها رفع العَلم الأمريكي على ناقلات النفط الكويتية، ليصبح بالإمكان مرافقتها عسكرياً في رحلات ذهابها وعودتها من الخليج عبر مضيق هرمز الحيوي. وما تلا ذلك كان “حرب الظل” التي تصاعدت تدريجياً بين الولايات المتحدة وإيران، وهي واحدة من المرات القليلة التي اشتبكت فيها الدولتان. ففي أبريل/نيسان عام 1988، أصابت فرقاطة أخرى لغماً إيرانياً؛ وهو ما أدى إلى تنفيذ عمليات انتقامية كبرى بعدها بأيام، أُغرقت خلالها خمس مقاتلات بَحرية إيرانية، في حين أصيب عدد آخر منها بأضرار، ولم تُرَق أي دماء أمريكية.

وهو ما يعيدنا بالقصة إلى 3 يوليو/تموز عام 1988. عندما وصل طراد “فينسينز” إلى مكان الجريمة المزعومة، لم يكن هناك شيء جديد، وأُبلغت السفينة التجارية المعنيَّة أن كل شيء على ما يرام. لكن الزوارق الحربية التابعة لبحرية الحرس الثوري الإيراني كانت في المنطقة. وبعد أن أمرت السلطات العليا الطراد “فينسينز” والفرقاطة “إلمر مونتغمري” بمغادرة المنطقة، امتثلا للأوامر إلا أن الكابتن روجرز أمر مروحية من طراز Seahawk بمواصلة مراقبة القوارب الحربية الإيرانية.

خلاف في السرد بين البلدين

وتلا ذلك سلسلة من الأحداث المؤسفة، التي ما يزال كثير منها موضع خلاف حتى يومنا هذا. وأبلغت الهليكوبتر بتعرُّضها لإطلاق النار؛ فأمرها روجرز بالعودة إلى الوطن وعاد بسفينته وفرقاطة “مونتغمري” إلى الشمال؛ لمهاجمة الزوارق الحربية. ولأن مواقع القتال كانت مأهولة وجاهزة، كانت البحرية مستعدة للمعركة، ولكن لم يحدث شيء. في الواقع، كانت زوارق الحرس الثوري الإيراني تتحرك بشكل شبه اعتيادي في وجود السفن الحربية الأمريكية الكبيرة والقوية ولم تظهر نوايا عدائية، مثلما يُظهر مقطع فيديو سجله طاقم تصوير تابع للبحرية على متن طراد “فينسينز” في ذلك اليوم.

لكن روجرز أصر على أن هناك تهديداً، متذرعاً بـ “تغييرات سريعة عشوائية وتغيُّر المسارات”. وفي النهاية تحوَّل الإيرانيون تجاه السفن الأمريكية بسرعة أكبر، ولكن ليس قبل أن يطلب روجرز الإذن بفتح النار. وفور السماح له بذلك، فتح طراد “فينسينز” النار على الزوارق الحربية بمدافعه عيار 125 مم؛ وهو ما أدى إلى تدمير بعض الزوارق الحربية.

وفي الوقت الذي بدأت فيه المناوشات البحرية، غادرت طائرة من طراز إيرباص A300 تحمل على متنها 290 راكباً، مطار بندر عباس الدولي متجهة إلى دبي. وكان كثير من راكبيها من الحجاج المتوجهين إلى مدينة مكة المكرمة، وكان عديد منهم نساء وأطفالاً. وكانت طائرة إيران للطيران الرحلة رقم 655 على مسار تصادمي مع “فينسينز”. ونظراً إلى أن مطار بندر عباس كان مطاراً يُستخدم لأغراض عسكرية ومدنية على السواء، فقد افتُرض أنها تشن هجوماً عدوانياً عندما اكتشفها طراد “فينسينز” لأول مرة.

صورة تعبيرية لإسقاط الطائرة الإيرانية بصاروخ أمريكي / لوب لوغ

ومع اقتراب طائرة الرحلة 655، بدأت الفوضى؛ وهو ما أدى إلى تعقيد محاولات تحديد الاشتباك الجوي القادم بشكل دقيق. وتعطَّل مدفع الطراد عيار 125 مم الأمامي؛ وهو ما أجبر روجرز على أن يأمر طاقم الطراد بأخذ منعطف صعب لتجهيز المدفع الخلفي في وضع الهجوم. في هذه الأثناء، جعلت هذه الأجواء المزدحمة من الصعب تمييز الأمور، ولم تستجب الطائرة المقتربة التي كان يُعتقد أنها مقاتلة اعتراضية من طراز F-14 Tomcat، لمحاولات الاتصالات اللاسلكية.

وسواء أسمعت طائرة الرحلة رقم 655 الاتصالات اللاسلكية أم لم تسمعها، فقد حافظت على مسارها. في البداية، اعتزم طراد فينسينز “بدء الاشتباك”على بُعد 32 كم، ولكنه انتظر حتى تصبح الطائرة على بُعد 19 كم، وهي مسافة قريبة بدرجة خطيرة. واتخذ روجرز القرار وأطلق صاروخين أرض-جو، وضرب كلاهما طائرة الإيرباص بعد ثوانٍ. ولم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى أشارت الأدلة المرئية ومسارات الاتصالات اللاسلكية إلى أن الطائرة التي أُسقطت ليست طائرة إيرانية من طراز F-14.

ولقي جميع الأشخاص الذين كانوا على متن الطائرة والبالغ عددهم 290 شخصاً، حتفهم. وصرح الأدميرال ويليام كرو، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن الولايات المتحدة “تأسف بشدة لهذا الحادث”، في تناقض صارخ مع إنكار إيران الأوَّلي مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة الأوكرانية الرحلة رقم 752. إلا أنه في الوقت الذي تدرس فيه إيران حالياً سلوكها في سياق التحرك الأمريكي، ألقت الولايات المتحدة عام 1988 باللوم تدريجياً على الإيرانيين؛ أولاً لإثارتهم المناوشات البحرية، وثانياً لسماحهم لطائرة مدنية بالعبور في منطقة حرب.

وثمة مشكلات في كلا الاتهامين، لكن ما هو مهم في المقارنة بين حادثتي الطائرتين 752 و655 هو أن كليهما حدث وسط توترات متصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، وأدت خلالهما الفوضى وضبابية الحرب دوراً رئيسياً في وقوع مأساة. ورغم وجود فجوة كبيرة في التطور التكنولوجي والتدريب بين الولايات المتحدة والجيش الإيراني، أثبت حادث طائرة إيران الرحلة رقم 655، أنه حتى أكثر السفن الحربية تقدُّماً وأفضل المقاتلين المدربين في العالم قد يرتكبون أخطاء فادحة.

هل هذا أيضاً ما حدث مؤخراً؟

ومثلما كانت الولايات المتحدة عام 1988، كانت إيران عام 2020 على أهبة الاستعداد لهجوم محتمل، إذ كان الكابتن روجرز حريصاً على ألا يصبح طراد “فينسينز” ضحية أخرى لهجوم صواريخ مضادة للسفن، ومن المنطقي أن إيران كانت تخشى من رد أمريكي على هجومها الصاروخي في 7 يناير/كانون الثاني، على القواعد العراقية. وما يزال من غير الواضح كيف أخطأت إيران في التعرف على طائرة الرحلة 752 واعتبرتها هجوماً معادياً، أو كيف حدث هذا الهجوم العرضي فعلياً، لكن يمكننا افتراض أن الهجوم لم يكن سيحدث لو لم تكن الولايات المتحدة وإيران في حالة من الأعمال العدائية المتصاعدة.

إلا أن إيران، مثلما حدث عام 1988، قد تضطرمجدداً إلى تحمُّل “الخسائر”. فرغم أنها ليست مسؤولة عن إسقاط طائرة الرحلة 655، لا يُكسبها وضعها كدولة منبوذة سوى قليل من التعاطف الدولي. وفي الوقت الذي وقع فيه الحادث، لم يكن لدى الشعب الإيراني الذي أنهكته حرب مدمرة طويلة دامت ثماني سنوات مع العراق، سوى قليل من الغضب لإبدائه. في الواقع، كانت إيران مقتنعة بأن الولايات المتحدة على استعداد للتدخل بشكل أقوى في الحرب ضدهم، إلى حد قتل المدنيين لفعل ذلك. ويبدو أن آية الله الخميني، من قراءة استشرافية، قد قبِل أن يشرب من “الكأس المسمومة” في أغسطس/آب من ذلك العام، ووافق على وقف إطلاق النار، الذي أنهى الحرب الإيرانية-العراقية؛ وأدى في الوقت نفسه إلى تهدئة التوترات مع أمريكا، على الأقل حينها.

الظروف الحالية ليست في مصلحة إيران

وبالمثل، في الوقت الحاضر، لا يمكن أن تذهب إيران بعيداً في إلقاء اللوم على الولايات المتحدة. ففضلاً عن مقتل 82 إيرانياً، لقي مواطنو خمس دول أخرى، منهم 63 من كندا وحدها، حتفهم. ويمكن القول إن إسقاط الطائرة الأوكرانية 752 يمثل أزمة دولية أكبر من إسقاط الطائرة الإيرانية 655، في الوقت الذي تحاول فيه إيران حشد القوى العالمية إلى جانبها ضد أمريكا، خاصة بالنظر إلى انسحاب الأخيرة من الاتفاق النووي لعام 2015. ولم تعد إيران الدولة المنبوذة نفسها التي كانت عليها عام 1988، ولذا لم تعد لديها الفرصة نفسها لأداء دور”الفتى الشرير” كما كان الحال من قبل. ومن المفارقات أن إسقاط الطائرة الأوكرانية 752 يمثل فرصة لطهران لإصلاح سلوكها، وإثبات لدول مثل كندا أنها يمكن أن تتصرف مثل “الدول الطبيعية”، وأن الولايات المتحدة هي التي يجب أن تضبط نفسها. إلا أن الدلائل الأولية تشير إلى أن إيران ليست على مستوى هذه المهمة.

ومن المؤكد أن هناك فرصة لإنهاء تصعيد طويل الأمد للصراع الأمريكي-الإيراني. على افتراض، بالطبع، أن طهران لن تصر على أن تكون هي صاحبة الكلمة الأخيرة، وأي مقارنة بين حادثتي الطائرة الأوكرانية 752 والإيرانية 655 لن تكون مكتملة دون التطرق إلى تفجير طائرة Pan Am 103 في 21 ديسمبر/كانون الأول عام 1988. ورغم إعلان الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي مسؤوليته عن هذا الحادث، ثارت شكوك أيضاً بأن إيران استخدمت شبكتها الإرهابية للرد على حادث الطائرة الإيرانية 655، وهي نظرية ظهرت الأدلة التي تؤكدها بمرور الوقت. وفي الواقع، ربما يكون الرئيس الإيراني حسن روحاني، قد أشار ضمناً إلى يد إيران في حادث الطائرة “بان إم 103” خلال جدال على تويتر مع الرئيس دونالد ترامب بعد وفاة قاسم سليماني.

وكل ذلك يثبت أن الأحداث التي وقعت منذ ثلاثين عاماً لا تلوح في الأفق اليوم فحسب؛ بل إن الصراع الأمريكي-الإيراني لم ينته بعدُ. وفي أحسن الأحوال، قد تكون الجولة الحالية من الأعمال العدائية المتصاعدة، في نهايتها، ولكن قد لا يحدث ذلك للأسف قبل أن تكون للجمهورية الإسلامية كلمة واحدة أخيرة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top